تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
ولذا رد عليه موسى - عليه السلام - بما يخرس لسانه ، ويبطل كيده ، فقال - كما حكى القرآن عنه - * ( عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ) * . أي : علم حال هذه القرون الأولى محفوظ عند ربي وحده في كتاب هو اللوح المحفوظ ، وهو - سبحانه - لا يخفى عليه شيء من حالهم ، وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب . وقوله : * ( لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى ) * مؤكد لما قبله . أي : لا يخطئ ربي في علمه ، ولا ينسى شيئا مما علمه لأنه منزه عن ذلك ، فالضلال هنا بمعنى الخطأ وقلة الإدراك . وجمع - سبحانه - بين نفى الضلال والنسيان ، لإفادة تنزهه عن أن يغيب شيء من أحوال هذا الكون عن علمه الشامل لكل شيء ، ولبيان أن علمه باق بقاء أبديا لا نسيان معه ، ولا زوال له . ثم بين له آثار علم اللَّه - تعالى - وقدرته فقال : * ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْداً . . ) * . أي : هو - سبحانه - الذي جعل لكم الأرض ممهدة كالفراش ، ليتسنى لكم الانتفاع بخيراتها ، وقرأ الأكثرون من السبعة ، مِهاداً أي : فراشا . والمهاد في الأصل ما يمهد للصبي لينام عليه . * ( وسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا ) * والسلك : الإدخال . أي : وجعل لكم في داخلها طرقا تنتقلون فيها من مكان إلى مكان ، ومن بلدة إلى أخرى ، لقضاء مصالحكم . * ( وأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِه أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى ) * والأزواج : الأصناف . أي : وأنزل - سبحانه - بقدرته من السماء ماء نافعا كثيرا فأخرجنا بسبب هذا الماء من الأرض أصنافا شتى - أي متفرقة - من النبات ، وهذه الأصناف مختلفة المنافع والألوان والطعوم والروائح ، مما يدل على كمال قدرتنا ، ونفاذ إرادتنا . وفي قوله * ( فَأَخْرَجْنا ) * التفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم ، للتنبيه على عظم شأن هذا الإخراج ، وأثره الكبير في حياة الناس . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أربع منن قد امتن اللَّه بها على عباده ، وهي : تمهيد الأرض ، وجعل الطرق فيها ، وإنزال المطر من السماء ، وإخراج النبات المتنوع من الأرض . وهذه المنن وإن كانت ظاهرة وواضحة في جميع فجاج الأرض ، إلا أنها أظهر ما تكون وأوضح ما تكون في أرض مصر التي كان يعيش فيها فرعون حيث تبدو الأرض فيها منبسطة
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 115 | سيد محمد طنطاوي