[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 79 ]
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ( 79 )
أي قال الخضر لموسى : * ( أَمَّا السَّفِينَةُ ) * التي خرقتها ولم ترض عنه ، * ( فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ) * أي : لضعفاء من الناس لا يستطيعون دفع الظلم عنهم ، ولم يكن لهم مال يتعيشون منه سواها ، فكان الناس يركبون فيها ويدفعون لهؤلاء المساكين الأجر الذين ينتفعون به .
* ( فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها ) * أي : أن أجعلها ذات عيب بالخرق الذي خرقتها فيه ، ولم أرد أن أغرق أهلها كما ظننت يا موسى ، والسبب في ذلك : أنه * ( كانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ ) * ، ظالم ، من دأبه أن يتعقب السفن الصالحة الصحيحة ، ويستولى عليها ، ويأخذها اغتصابا وقسرا من أصحابها .
فهذا العيب الذي أحدثته في السفينة . كان سببا في نجاتها من يد الملك الظالم ، وكان سببا في بقائها في أيدي أصحابها المساكين .
فالضرر الكبير الذي أحدثته بها ، كان دفعا لضرر أكبر كان ينتظر أصحابها المساكين لو بقيت سليمة .
ويرى بعضهم أن المراد بالوراء الأمام . ويرى آخرون أن المراد به الخلف . وقال الزجاج :
وراء : يكون للخلف والأمام . ومعناه : ما توارى عنك واستتر .
وظاهر قوله - تعالى - : * ( يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ) * ، يفيد أن هذا الملك كان يأخذ كل سفينة سواء أكانت صحيحة أم معيبة ، ولكن هذا الظاهر غير مراد . وإنما المراد : يأخذ كل سفينة سليمة . بدليل : فأردت أن أعيبها ، أي : لكي لا يأخذها ، ومن هنا قالوا : إن لفظ « سفينة » هنا موصوف لصفة محذوفة . أي : يأخذ كل سفينة صحيحة .
و « غصبا » ، منصوب على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ . والغصب - من باب ضرب - :
أخذ الشيء ظلما وقهرا .
ثم بين - سبحانه - ما رد به الخضر على موسى في اعتراضه على الحادثة الثانية فقال - تعالى - :
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 559
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٥٥٩