[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 94 إلى 96 ]
وما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّه بَشَراً رَسُولًا ( 94 ) قُلْ لَوْ كانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا ( 95 ) قُلْ كَفى بِاللَّه شَهِيداً بَيْنِي وبَيْنَكُمْ إِنَّه كانَ بِعِبادِه خَبِيراً بَصِيراً ( 96 )
قال الفخر الرازي : اعلم أنه - تعالى - لما حكى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزائدة ، وأجاب عنها ، حكى عنهم شبهة أخرى ، وهي أن القوم استبعدوا أن يبعث اللَّه إلى الخلق رسولا من البشر ، بل اعتقدوا أن اللَّه - تعالى - لو أرسل رسولا إلى الخلق ، لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة ، فأجاب اللَّه - تعالى - عن هذه الشبهة فقال :
* ( وما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا . . . ) * « 1 » .
والمراد بالناس هنا : المشركون منهم ، الذين استبعدوا واعتقدوا أن الرسول لا يكون من البشر ، ويدخل فيهم دخولا أوليا كفار مكة .
وجملة * ( أَنْ يُؤْمِنُوا ) * في محل نصب ، لأنها مفعول ثان لمنع .
وقوله : * ( إِلَّا أَنْ قالُوا ) * هو الفاعل ، و « إذ » ظرف للفعل منع ، أو لقوله : * ( أَنْ يُؤْمِنُوا ) * .
والمعنى : وما صرف المشركين عن الإيمان بالدين الحق وقت أن جاءتهم به الرسل ، إلا اعتقاد هؤلاء المشركين أن اللَّه - تعالى - لا يبعث إليهم رجلا من البشر لكي يبلغهم وحيه ، وإنما يبعث إليهم ملكا من الملائكة لكي يبلغهم ذلك .
وعبر عن اعتقادهم الباطل هذا بالقول فقال : * ( إِلَّا أَنْ قالُوا . . ) * للإشعار بأنه مجرد قول لاكته ألسنتهم ، دون أن يكون معهم أي مستند يستندون إليه لإثبات قبوله عند العقلاء .
وجاء التعبير عن اعتقادهم الباطل هذا بصيغة الحصر ، لبيان أنه مع بطلانه - هو من أهم
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 21 ص 58 .