وعبر - سبحانه - بالأكثر ، إنصافا للقلة المؤمنة التي فتحت صدورها للقرآن ، فآمنت به ، وعملت بما فيه من أوامر ونواه . .
قال الجمل : فإن قيل : كيف جاز قوله * ( فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) * حيث وقع الاستثناء المفرغ في الإثبات . مع أنه لا يصح ، إذ لا يصح أن تقول : ضربت إلا زبدا .
فالجواب : أن لفظة * ( فَأَبى ) * تفيد النفي ، فكأنه قيل : فلم يرضوا إلا كفورا « 1 » .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد ساقت ما يدل على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ، وعلمه ، وفضله على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم وعلى الناس ، وعلى أن هذا القرآن من عند اللَّه ، ولو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .
ثم حكى - سبحانه - بعض المطالب المتعنتة التي طلبها المشركون من النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال - تعالى - :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 90 إلى 93 ]
وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ( 91 ) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّه والْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ( 92 ) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ( 93 )
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات رواية طويلة ملخصها : أن نفرا من زعماء قريش اجتمعوا عند الكعبة ، وطلبوا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فجاءهم ، فقالوا له يا محمد : إنا قد بعثنا
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 647 .