والاستفهام في قوله - سبحانه - : * ( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ . . ) * للإنكار والتوبيخ لأولئك المشركين الذين عبدوا غير اللَّه - تعالى - أي : أفمن يخلق هذه الأشياء العجيبة ، والمخلوقات البديعة ، التي بينا لكم بعضها ، وهو اللَّه - عز وجل - كمن لا يخلق شيئا على سبيل الإطلاق ، بل هو مخلوق ، كتلك الأصنام والأوثان وغيرها ، التي أشركتموها في العبادة مع اللَّه - تعالى - ؟
إن فعلكم هذا لدليل واضح على جهلكم - أيها المشركون - وعلى انطماس بصيرتكم ، وقبح تفكيركم .
قال صاحب الكشاف : فإن قلت من لا يخلق أريد به الأصنام ، فلما ذا جيء بمن الذي هو لأولى العلم ؟ .
قلت : فيه أوجه : أحدها أنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولى العلم .
الثاني : المشاكلة بينه وبين من يخلق .
الثالث : أن يكون المعنى : أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولى العلم ، فكيف بما لا علم عنده . كقوله - تعالى - أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها . . يعنى أن الآلهة - التي عبدوها - حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب لأن هؤلاء أحياء وهم أموات ، فكيف تصح لهم العبادة ، لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا .
فإن قلت الآية إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيها باللَّه - تعالى - : فكان من حق الإلزام أن يقال : أفمن لا يخلق كمن يخلق ؟
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 123
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٢٣