تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
وقوله * ( ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) * من الاستحياء بمعنى الاستبقاء ، يقال : استحيا فلان فلانا أي : استبقاه وأصله طلب له الحياة والبقاء . والمعنى : واذكر - أيها الرسول الكريم - أو أيها المخاطب وقت أن قال موسى - عليه السلام - لقومه على سبيل الإرشاد والتوجيه إلى الخير : يا قوم * ( اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّه عَلَيْكُمْ ) * أي : داوموا على شكر اللَّه ، فقد أسبغ عليكم نعما كثيرة من أبرزها أنه - سبحانه - أنجاكم من آل فرعون الذين كانوا يصبون عليكم أشد العذاب وأفظعه ، وكانوا يذبحون أبناءكم الصغار ، ويستبقون نساءكم . . . وجعل - سبحانه - النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه ، مع أنه الآمر بتعذيب بني إسرائيل للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عونا في إذاقتهم سوء العذاب . وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لبنى إسرائيل ، لأن هذا الإبقاء عليهن كان المقصود منه الاعتداء عليهن ، واستعمالهن في الخدمة بالاسترقاق ، فبقاؤهن بعد فقد الذكور بقاء ذليل ، وعذاب أليم ، تأباه النفوس الكريمة . قال الآلوسي : قوله : * ( ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ) * أي : ويبقونهن في الحياة مع الذل . ولذلك عد من جملة البلاء ، أو لأن إبقاءهن دون البنين رزية في ذاته كما قيل :
ومن أعظم الرزء فيما أرى بقاء البنات وموت البنينا « 1 »
وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء هنا : الأطفال الصغار ، لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك ، ولأن قتل جميع الرجال لا يفيدهم حيث إن فرعون وآله ، كانوا يستعملونهم في الأعمال الشاقة والحقيرة ، ولأنه لو كان المقصود بالذبح الرجال ، لما قامت أم موسى بإلقائه في البحر وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح . وقال - سبحانه - هنا * ( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ ويُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ ) * لأن المقصود هنا تعداد المحن التي حلت ببني إسرائيل ، فكان المراد بجملة * ( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ ) * نوعا منه ، وكان المراد بجملة * ( ويُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ ) * نوعا آخر منه ، لذا وجب العطف ، لأن الجملة الثانية ليست مفسرة للأولى ، وإنما هي تمثل نوعا آخر من العذاب الذي حل ببني إسرائيل . بخلاف قوله - تعالى - في سورة البقرة يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 13 ص 170 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 520 | سيد محمد طنطاوي