بنفسه ، وبعقيدته ، ويدعوهما إلى عبادة اللَّه وحده ويقيم لهما الأدلة على ذلك . . .
وهذا شأن المصلحين العقلاء المخلصين لعقيدتهم الغيورين على نشرها بين الناس ، إنهم يسوقون لغيرهم من الكلام الحكيم ما يجعل هذا الغير يثق بهم ، ويقبل عليهم ، ويستجيب لهم . .
وهذا ما كان من يوسف - عليه السلام - فقد بدأ في رده عليهما بقوله : * ( قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِه إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِه قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما . . ) * .
أي : قال يوسف لرفيقيه في السجن اللذين سألاه أن يفسر لهما رؤياهما : « لا يأتيكما » أيها الرفيقان « طعام ترزقانه » في سجنكما ، في حال من الأحوال ، إلا وأخبرتكما بماهيته وكيفيته وسائر أحواله قبل أن يصل إليكما .
وإنما قال لهما ذلك ليبرهن على صدقه فيما يقول ، فيستجيبا لدعوته لهما إلى وحدانية اللَّه بعد ذلك .
وقوله « ذلكما مما علمني ربي » نفى لما قد يتبادر إلى ذهنهما من أن علمه مأخوذ عن الكهانة أو التنجيم أو غير ذلك مما لا يقره الدين .
أي : ذلك التفسير الصحيح للرؤيا ، والأخبار عن المغيبات ، كإخباركما عن أحوال طعامكما قبل أن يصل إليكما . .
ذلك كله إنما هو العلم الذي علمني إياه ربي وخالقي ومالك أمرى ، وليس عن طريق الكهانة أو التنجيم كما يفعل غيرى .
وقوله : « مما علمني ربي » فيه إشعار بأن ما أخبرهما به من مغيبات هو جزء من علوم كثيرة علمها إياه ربه - عز وجل - فضلا منه - سبحانه - وكرما .
ثم أضاف إلى ذلك قوله : « إني تركت ملة قوم » أي دين قوم « لا يؤمنون باللَّه » أي لا يدينون بالعبودية للَّه - تعالى - وحده الذي خلقهم ورزقهم ، وإنما يدينون بالعبودية لآلهة أخرى لا تنفع ولا تضر .
« وهم بالآخرة » وما فيها من ثواب وعقاب « هم كافرون » جاحدون لما يجب الإيمان به .
وفي هذه الجملة الكريمة تعريض بما كان عليه العزيز وقومه ، من إشراك وكفر ، ولم يواجه الفتيان بأنهما على دين قومهما ، وإنما ساق كلامه على سبيل العموم ، لكي يزيد في استمالتهما إليه ، وإقبالهما عليه . .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 360
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٦٠