تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
وقوله - سبحانه - * ( ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّه حَتَّى حِينٍ ) * بيان لما فعله العزيز وحاشيته مع يوسف - عليه السلام - بعد أن ثبتت براءته . وبدا هنا من البداء - بالفتح - وهو - كما يقول الإمام الرازي - عبارة عن تغير الرأي عما كان عليه في السابق . والضمير في « لهم » يعود إلى العزيز وأهل مشورته . والمراد بالآيات : الحجج والبراهين الدالة على براءة يوسف ونزاهته ، كانشقاق قميصه من دبر ، وقول امرأة العزيز ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، وشهادة الشاهد بأن يوسف هو الصادق وهي الكاذبة . . . والحين : الزمن غير المحدد بمدة معينة . والمعنى : ثم ظهر للعزيز وحاشيته ، من بعد ما رأوا وعاينوا البراهين المتعددة الدالة على صدق يوسف - عليه السلام - وطهارة عرضه . . . بدا لهم بعد كل ذلك أن يغيروا رأيهم في شأنه ، وأن يسجنوه في المكان المعد لذلك ، إلى مدة غير معلومة من الزمان . واللام في قوله « ليسجننه » جواب لقسم محذوف على تقدير القول أي : ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات قائلين ، واللَّه ليسجننه حتى حين . ولا شك أن الأمر بسجن يوسف - عليه السلام - كان بتأثير من امرأة العزيز ، تنفيذا لتهديدها بعد أن صمم يوسف - عليه السلام - على عصيانها فيما تدعوه إليه ، فقد سبق أن حكى القرآن عنها قولها ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُه لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ « 1 » . ولا شك - أيضا - أن هذا القرار بسجن يوسف يدل على أن امرأة العزيز كانت مالكة لقياد زوجها صاحب المنصب الكبير ، فهي تقوده حيث تريد كما يقود الرجل دابته . ولقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف فقال ما ملخصه : قوله * ( ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ . . . ) *
هامش
( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 18 ص 133 .