البشر ، لتفوقه في الحسن عنهم ، وإنما هو ملك كريم من الملائكة المقربين تمثل في هذه الصورة البديعة التي تخلب الألباب .
ووصفوه بذلك بناء على ما ركز في الطباع من تشبيه ما هو مفرط في الجمال والعفة بالملك وتشبيه ما هو شديد القبح والسوء بالشيطان .
وهنا شعرت امرأة العزيز بانتصارها على بنات جنسها ، اللائي عذلنها في حبها ليوسف ، فقالت لهن على سبيل التفاخر والتشفي ، وبدون استحياء أو تلميح : * ( قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيه ) * .
والفاء هنا فصيحة ، والخطاب للنسوة اللائي قطعن أيديهن دهشا من جمال يوسف ، والإشارة إليه - عليه السلام - .
أي : قالت لهن على سبيل التشفي والتباهي والاعتذار عما صدر منها معه : إن كان الأمر كما قلتن ، فذلك هو الملك الكريم الذي لمتنني في حبى له ، وقلتن ما قلتن في شأني لافتتاني به ، فالآن بعد رؤيتكن له ، وتقطيع أيديكم ذهولا لطلعته ، قد علمتن أنى معذورة فيما حدث منى معه . . .
ثم جاهرت أمامهن بأنها أغرته بمواقعتها فلم يستجب فقالت :
* ( ولَقَدْ راوَدْتُه عَنْ نَفْسِه فَاسْتَعْصَمَ . . ) * . أي : واللَّه لقد حاولت معه بشتى المغريات أن يطوع نفسه لي ، فأبى وامتنع امتناعا بليغا ، وتحفظ تحفظا شديدا .
والتعبير بقوله « فاستعصم » للمبالغة في عصمته لنفسه من الزلل ، فالسين والتاء للمبالغة ، وهو من العصمة بمعنى المنع . يقال : عصمه الطعام أي : منعه من الجوع . وعصم القربة أي :
شدها بالعصام ليمنع نزول الماء منها .
وفي الآية - كما يقول الآلوسي - دليل على أنه - عليه السلام - لم يصدر منه ما سوّد به القصّاص وجوه الطروس « 1 » - أي الأوراق .
ثم قالت أمامهن بعد ذلك في تبجح واستهتار وتهديد : * ( ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُه لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ) * .
أي : واللَّه لقد راودته عن نفسه فاستعصم ، واللَّه لئن لم يفعل ما آمره به ، - وأنا سيدته الآمرة الناهية لا غيرى - ليسجنن عقوبة له ، وليكونا من الصاغرين ، أي : من الأذلاء
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 12 ص 209 .