تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
ثم قال : ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك ، كما جاء في الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن جابر قال : قال رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - : « لا تدعوا على أنفسكم ، لا تدعوا على أولادكم ، لا تدعوا على أموالكم ، لا توافقوا من اللَّه ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم » . وقال مجاهد في تفسير هذه الآية : هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه : اللهم لا تبارك فيه والعنه ، فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم « 1 » . أما الإمام الآلوسي فقد حكى هذين الوجهين ، ورجح الأول منهما فقال : « قوله : * ( ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرَّ . . . ) * وهم الذين لا يرجون لقاء اللَّه - تعالى - المذكورون في قوله : إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا . . . والمراد لو يعجل اللَّه لهم الشر الذي كانوا يستعجلون به تكذيبا واستهزاء . . . » ، وأخرج ابن جرير عن قتادة : أنه قال : « هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له ، وفيه حمل الناس على العموم ، والمختار الأول ، ويؤيده ما قيل : من أن الآية نزلت في النضر بن الحارث حين قال : « اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم » « 2 » . والذي يبدو لنا أن كون لفظ الناس للجنس أولى ، ويدخل فيه المشركون دخولا أوليا ، لأنه لا توجد قرينة تمنع من إرادة ذلك ، وحتى لو صح ما قيل من أن الآية نزلت في النضر بن الحارث ، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وقوله * ( اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ ) * منصوب على المصدرية ، والأصل : ولو يعجل اللَّه للناس الشر تعجيلا مثل استعجالهم بالخير ، فحذف تعجيلا وصفته المضافة ، وأقيم المضاف إليه مقامها . ثم بين - سبحانه - ما يشير إلى الحكمة في عدم تعجيل العقوبة فقال : * ( فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * . والطغيان : مجاوزة الحد في كل شيء ، ومنه طغى الماء إذا ارتفع وتجاوز حده . ويعمهون : من العمة ، يقال : عمه - كفرح ومنع - عمها ، إذا تحير وتردد فهو عمه وعامه . أي : لا نعجل للناس ما طلبوه من عقوبات ، وإنما نترك الذين لا يرجون لقاءنا إلى يوم
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 409 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 11 ص 79 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 34 | سيد محمد طنطاوي