تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
واعتبروه عرضا من عروض التجارة القابلة للبيع والشراء . ويكون المراد بقوله - تعالى - بعد ذلك * ( وشَرَوْه بِثَمَنٍ بَخْسٍ ) * الشراء الحقيقي ، بمعنى أن السيارة اشتروا يوسف من إخوته بثمن بخس . والحق أن الرأي الأول هو الذي تطمئن إليه النفس ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية ، ولأنه بعيد عن التكلف الذي يرى واضحا في القولين الثاني والثالث . وقوله : * ( واللَّه عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ) * أي : لا يخفى عليه شيء من أسرارهم . ومن عملهم السيئ في حق يوسف . حيث إنهم استرقوه وباعوه بثمن بخس ، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم . كما جاء في الحديث الشريف . وقوله : - سبحانه - * ( وشَرَوْه بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيه مِنَ الزَّاهِدِينَ ) * بيان لما فعله السيارة بيوسف بعد أن أسروه بضاعة . وقوله * ( شَرَوْه ) * هنا بمعنى باعوه . والبخس : النقص ، يقال بخس فلان فلانا حقه ، إذا نقصه وعابه . وهو هنا بمعنى المبخوس . و * ( دَراهِمَ ) * جمع درهم ، وهي بدل من * ( بِثَمَنٍ ) * . و * ( مَعْدُودَةٍ ) * صفة لدراهم ، وهي كناية عن كونها قليلة ، لأن الشيء القليل يسهل عده ، بخلاف الشيء الكثير ، فإنه في الغالب يوزن وزنا . والمعنى : أن هؤلاء المسافرين بعد أن أخذوا يوسف ليجعلوه عرضا من عروض تجارتهم ، باعوه في الأسواق بثمن قليل تافه ، وهو عبارة عن دراهم معدودة ، ذكر بعضهم أنها لا تزيد على عشرين درهما . وقوله : * ( وكانُوا فِيه مِنَ الزَّاهِدِينَ ) * بيان لعدم حرصهم على بقائه معهم ، إذ أصل الزهد قلة الرغبة في الشيء ، تقول زهدت في هذا الشيء ، إذا كنت كارها له غير مقبل عليه . أي : وكان هؤلاء الذين باعوه من الزاهدين في بقائه معهم ، الراغبين في التخلص منه بأقل ثمن قبل أن يظهر من يطالبهم به . قال الآلوسي ما ملخصه : « وزهدهم فيه سببه أنهم التقطوه من الجب ، والملتقط للشيء متهاون به لا يبالي أن يبيعه بأي ثمن خوفا من أن يعرض له مستحق ينزعه منه . . . » « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 12 ص 103 .