تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
يوسف قد أكله الذئب ، حتى ولو كنا صادقين في ذلك ، لسوء ظنك بنا ، وشدة محبتك له . وهذه الجملة الكريمة توحى بكذبهم على أبيهم ، وبمخادعتهم له ، ويكاد المريب أن يقول خذوني - كما يقولون - . ولكنهم لم يكتفوا بهذا التباكي وبهذا القول ، بل أضافوا إلى ذلك تمويها آخر حكاه القرآن في قوله : * ( وجاؤُ عَلى قَمِيصِه بِدَمٍ كَذِبٍ . . . ) * أي : بدم ذي كذب ، فهو مصدر بتقدير مضافه ، أو وصف الدم بالمصدر مبالغة ، حتى لكأنه الكذب بعينه ، والمصدر هنا بمعنى المفعول ، كالخلق بمعنى المخلوق ، أي : بدم مكذوب . والمعنى : وبعد أن ألقوا بيوسف في الجب ، واحتفظوا بقميصه معهم ، ووضعوا على هذا القميص دما مصطنعا ليس من جسم يوسف ، وإنما من جسم شيء آخر قد يكون ظبيا وقد يكون خلافه . وقال - سبحانه - * ( عَلى قَمِيصِه ) * للإشعار بأنه دم موضوع على ظاهر القميص وضعا متكلفا مصطنعا ، ولو كان من أثر افتراس الذئب لصاحبه ، لظهر التمزق والتخريق في القميص ، ولتغلغل الدم في قطعة منه . ولقد أدرك يعقوب - عليه السلام - من قسمات وجوههم ، ومن دلائل حالهم ، ومن نداء قلبه المفجوع أن يوسف لم يأكله الذئب ، وأن هؤلاء المتباكين هم الذين دبروا له مكيدة ما ، وأنهم قد اصطنعوا هذه الحيلة المكشوفة مخادعة له ، ولذا جابههم بقوله : * ( قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً . . . ) * . والتسويل : التسهيل والتزيين . يقال : سولت لفلان نفسه هذا الفعل أي زينته وحسنته له ، وصورته له في صورة الشيء الحسن مع أنه قبيح . أي : قال يعقوب لأبنائه بأسى ولوعة بعد أن فعلوا ما فعلوا وقالوا ما قالوا : قال لهم ليس الأمر كما زعمتم من أن يوسف قد أكله الذئب ، وإنما الحق أن نفوسكم الحاقدة عليه هي التي زينت لكم أن تفعلوا معه فعلا سيئا قبيحا ، ستكشف الأيام عنه بإذن ربي ومشيئته . ونكر الأمر في قوله : * ( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ) * لاحتماله عدة أشياء مما يمكن أن يؤذوا به يوسف ، كالقتل ، أو التغريب ، أو البيع في الأسواق لأنه لم يكن يعلم على سبيل اليقين ما فعلوه به . وفي هذا التنكير والإبهام - أيضا - ما فيه من التهويل والتشنيع لما اقترفوه في حق أخيهم .