تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
وهو سريره . وإخوته بين يديه . . . وخروا له سجدا وقال : يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل ، قد جعلها ربي حقا . . . » « 1 » . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله يعقوب لابنه يوسف بعد أن قص عليه رؤياه فقال : * ( قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ، إِنَّ الشَّيْطانَ لِلإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) * . وقوله * ( يا بُنَيَّ ) * تصغير ابن . والتصغير هنا سببه صغر سنه مع الشفقة عليه ، والتلطيف معه . وقوله * ( رُؤْياكَ ) * من الرؤيا التي هي مصدر رأى العلمية الدالة على ما وقع للإنسان في نومه ، أما رأى البصرية فيقال في مصدرها الرؤية . وقوله « فيكيدوا لك . . » من الكيد وهو الاحتيال الخفي بقصد الإضرار والفعل كاد يتعدى بنفسه ، فيقال : كاده يكيده كيدا ، إذا احتال لإهلاكه . ولتضمنه معنى احتال عدى باللام . والمعنى : قال يعقوب لابنه يوسف - عليهما السلام - بشفقة ورحمة ، بعد أن سمع منه ما رآه في منامه : « يا بنى » لا تخبر إخوتك بما رأيته في منامك فإنك إن أخبرتهم بذلك احتالوا لإهلاكك احتيالا خفيا ، لا قدرة لك على مقاومته أو دفعه . . وإنما قال له ذلك ، لأن هذه الرؤيا تدل على أن اللَّه - تعالى - سيعطى يوسف من فضله عطاء عظيما . ويهبه منصبا جليلا ، ومن شأن صاحب النعمة أن يكون محسودا من كثير من الناس ، فخاف يعقوب من حسد إخوة يوسف له ، إذا ما قص عليهم رؤياه ، ومن عدوانهم عليه . والتنوين في قوله « كيدا » للتعظيم والتهويل ، زيادة في تحذيره من قص الرؤيا عليهم . وجملة « إن الشيطان للإنسان عدو مبين » واقعة موقع التعليل للنهي عن قص الرؤيا على إخوته ، وفيها إشارة إلى أن الشيطان هو الذي يغريهم بالكيد له إذا ما قص عليهم ما رآه ، وهو بذلك لا يثير في نفسه الكراهة لإخوته . أي : لا تخبر إخوتك بما رأيته في منامك ، فيحتالوا للإضرار بك حسدا منهم لك ، وهذا الحسد يغرسه الشيطان في نفوس الناس ، لتتولد بينهم العداوة والبغضاء ، فيفرح هو بذلك ، إذ كل قبيح يقوله أو يفعله الناس يفرح له الشيطان . هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية أحكاما منها :
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 298 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 318 | سيد محمد طنطاوي