( ب ) إبرازها لجوهر الأحداث ولبابها . . أما تفاصيل هذه الأحداث . فتركت معرفتها لفهم القارئ وفطنته ، وسلامة تفكيره ، وحسن تدبره لكلام اللَّه - تعالى - . .
وهذا اللون من العرض للأحداث ، يسمى في عرف البلغاء ، بأسلوب الإيجاز بالحذف والقارئ لهذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، يراها على رأس السور القرآنية التي كثر فيها هذا الأسلوب البليغ .
فمثلا قوله - تعالى - : وجاؤُ عَلى قَمِيصِه بِدَمٍ كَذِبٍ ، قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ . . . معطوف على كلام محذوف يفهم من السياق .
والتقدير : وبعد أن ألقى إخوة يوسف به في الجب وانصرفوا لشئونهم « جاؤوا على قميصه بدم كذب » لكي يخدعوا أباهم ، فلما أخبروه بأن الذئب قد أكله قال : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ . . .
وكذلك قوله - تعالى - : قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه . . . مترتب على كلام محذوف يفهم من سياق الآيات .
والتقدير : وبعد أن سمع ما قالته النسوة بشأنه عندما دخل عليهن بأمر من امرأة العزيز ، وسمع تهديد هذه المرأة له بقولها : قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيه ولَقَدْ راوَدْتُه عَنْ نَفْسِه فَاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُه لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ .
بعد أن سمع يوسف كل ذلك ، وتيقن من مكرهن به ، لجأ إلى ربه مستجيرا به من كيدهن فقال : رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه . . .
وأيضا قوله - تعالى - : وقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِه فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ . . . يعتبر من بديع أسلوب الإيجاز بالحذف ، إذ تقدير الكلام :
وبعد أن عجز الملأ عن تفسير رؤيا الملك ، وقالوا له : إن رؤياك أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ، قال الذي نجا منهما ، أي : من صاحبي يوسف في السجن وهو الساقي وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أي وتذكر بعد نسيان طويل أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِه فَأَرْسِلُونِ إلى من عنده تفسير هذه الرؤيا تفسيرا صحيحا - وهو يوسف - فاستجابوا له وأرسلوه إلى يوسف ، فذهب إليه في السجن ، فلما دخل عليه قال له : يا يوسف يا أيها الصديق ، أفتنا في سبع بقرات سمان . . . إلخ .
وهذا الأسلوب الذي زخرت به السورة الكريمة ، وهو أسلوب الإيجاز بالحذف ، من شأنه
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 307
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٠٧