تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
* ( فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْه نَكِرَهُمْ وأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً . . . ) * . ومعنى * ( نَكِرَهُمْ ) * : نفر منهم ، وكره تصرفهم . نقول : فلان نكر حال فلان - كعلم - وأنكره نكرا ونكورا . . . إذا وجده على غير ما يعهده فيه ، ويتوقعه منه . * ( وأَوْجَسَ ) * من الوجس وهو الصوت الخفي ، والمراد به هنا : الإحساس الخفي بالخوف والفزع الذي يقع في النفس عند رؤية ما يقلقها ويخيفها . أي : فلما رأى إبراهيم - عليه السلام - ضيوفه لا تمتد أيديهم إلى الطعام الذي قدمه لهم ، نفر منهم ، وأحس في نفسه من جهتهم خوفا ورعبا لأن امتناع الضيف عن الأكل من طعام مضيفه - بدون سبب مقنع - يشعر بأن هذا الضيف ينوى شرا به . . . والتقاليد في كثير من البلاد إلى الآن تؤيد ذلك . ولذا قالت الملائكة لإبراهيم عندما لاحظوا ما يساور نفسه من الخوف : * ( لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ) * . أي : لا تخف يا إبراهيم فإنا لسنا ضيوفا من البشر ، وإنما نحن رسل من اللَّه - تعالى - أرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم . وقد جاء في بعض الآيات أنه صارحهم بالخوف منهم ، ففي سورة الحجر قال - تعالى - : ونَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ . إِذْ دَخَلُوا عَلَيْه فَقالُوا سَلاماً ، قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ . قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ . . . ثم حكى - سبحانه - ما حدث بعد ذلك فقال : * ( وامْرَأَتُه قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ ومِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ) * . والمراد بامرأته - كما يقول القرطبي - « سارة بنت هاران بن ناحور ، بن شاروع ، بن أرغو ، بن فالغ ، وهي بنت عم إبراهيم » « 1 » . وقيامها كان لأجل قضاء مصالحها ، أو لأجل خدمة الضيوف . . . أو لغير ذلك من الأمور التي تحتاجها المرأة في بيتها . والمراد بالضحك هنا حقيقته . أي : فضحكت سرورا وابتهاجا بسبب زوال الخوف عن إبراهيم ، أو بسبب علمها بأن الضيوف قد أرسلهم اللَّه لإهلاك قوم لوط ، أو بهما معا . . . قال الشوكاني : والضحك هنا هو الضحك المعروف الذي يكون للتعجب والسرور كما قاله الجمهور .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 9 ص 70 .