تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
يبسا ، فساروا فيه حتى بلغوا نهايته ، فأتبعهم فرعون وجنوده لا لطلب الهداية والإيمان ، ولكن لطلب البغي والعدوان . قال الآلوسي : « وذلك أن اللَّه - تعالى - لما أخبر موسى وهارون - عليهما السلام - بإجابته دعوتهما ، أمرهما بإخراج بني إسرائيل من مصر ليلا ، فخرجا بهم على حين غفلة من فرعون وملئه ، فلما أحسن بذلك ، خرج هو وجنوده على أثرهم مسرعين ، فالتفت القوم فإذا الطامة الكبرى وراءهم ، فقالوا يا موسى ، هذا فرعون وجنوده وراءنا . وهذا البحر أمامنا فكيف الخلاص ، فأوحى اللَّه - تعالى - إلى موسى ، أن اضرب بعصاك البحر ، فضربه فانفلق اثنى عشر فرقا كل فرق كالطود العظيم ، وصار لكل سبط طريق فسلكوا ، ووصل فرعون ومن معه إلى الساحل وبنو إسرائيل قد خرجوا من البحر ومسلكهم باق على حاله ، فسلكه فرعون وجنوده ، فلما دخل آخرهم وهم أولهم بالخروج من البحر ، انطبق عليهم وغشيهم من اليم ما غشيهم » « 1 » . ثم حكى - سبحانه - ما قاله فرعون عندما نزل به قضاء اللَّه الذي لا يرد فقال - تعالى - : * ( حَتَّى إِذا أَدْرَكَه الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّه لا إِله إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِه بَنُوا إِسْرائِيلَ وأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) * . أي : لقد اتبع فرعون وجنوده بني إسرائيل بغيا وعدوا ، فانطبق عليه البحر ، ولفه تحت أمواجه ولججه ، حتى إذا أدركه الغرق وعاين الموت وأيقن أنه لا نجاة له منه ، قال آمنت وصدقت . بأنه لا معبود بحق سوى الإله الذي آمنت به بنو إسرائيل ، وأنا من القوم الذين أسلموا نفوسهم للَّه وحده وأخلصوها لطاعته . ولما كان هذا القول قد جاء في غير أوانه ، وأن هذا الإيمان لا ينفع لأنه جاء عند معاينة الموت ، فقد رد اللَّه - تعالى - على فرعون بقوله - سبحانه - * ( آلآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ، وكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) * . أي : آلآن تدعى الإيمان حين يئست من الحياة ، وأيقنت بالموت ، والحال أنك كنت قبل ذلك من العصاة المفسدين في الأرض ، المصرين على تكذيب الحق الذي جاءك به رسولنا موسى - عليه السلام - والظرف « آلآن » متعلق بمحذوف متأخر ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار . وقوله : * ( وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ) * جملة حالية من فاعل الفعل المقدر ، أي : آلآن تدعى
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 11 ص 160 .