تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
اعتمدوا ، وبجنابه وحده تمسكوا ، فإن من توكل على اللَّه واتجه إليه ، كان اللَّه معه بنصره وتأييده . ثم حكى القرآن جوابهم الذي يدل على صدق يقينهم فقال : * ( فَقالُوا ) * أي مجيبين لنصيحة نبيهم * ( عَلَى اللَّه ) * وحده لا على غيره * ( تَوَكَّلْنا ) * واعتمدنا وفوضنا أمورنا إليه . * ( رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * أي يا ربنا لا تجعلنا موضوع فتنة وعذاب للقوم الظالمين . بأن تمكنهم منا فيسوموننا سوء العذاب ، وعندئذ يعتقدون أنهم على الحق ونحن على الباطل ، لأننا لو كنا على الحق - في زعمهم - لما تمكنوا منا ، ولما انتصروا علينا . ثم أضافوا إلى هذا الدعاء دعاء آخر ، أكثر صراحة من سابقه في المباعدة بينهم وبين الظالمين فقالوا * ( ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) * . أي : نحن لا نلتمس منك يا مولانا ألا تجعلنا فتنة لهم فقط ، بل نلتمس منك - أيضا - أن تنجينا من شرور القوم الكافرين ، وأن تخلصنا من سوء جوارهم ، وأن تفرق بيننا وبينهم كما فرقت بين أهل المشرق وأهل المغرب . قال الإمام الشوكاني : « وفي هذا الدعاء الذي تضرعوا به إلى اللَّه - دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم » « 1 » . وبعد هذا الدعاء المخلص ، وجه اللَّه - تعالى - نبيه موسى وأخاه هارون - عليهما السلام - إلى ما يوصل إلى نصرهما ونصر أتباعهما فقال - تعالى - * ( وأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وأَخِيه أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً واجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً . . ) * . وقوله * ( تَبَوَّءا ) * من التبوء وهو اتخاذ المباءة أي المنزل ، كالتوطن بمعنى اتخاذ الوطن . يقال بوأته وبوأت له منزلا إذا أنزلته فيه ، وهيأته له . والمعنى : وأوحينا إلى موسى وأخيه هارون بعد أن لج فرعون في طغيانه وفي إنزال العذاب بالمؤمنين - أن اتخذا لقومكما المؤمنين بيوتا خاصة بهم في مصر ، ينزلون بها ، ويستقرون فيها ، ويعتزلون فرعون وجنده ، إلى أن يقضى اللَّه أمرا كان مفعولا . وقوله * ( واجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) * أي : واجعلوا هذه البيوت التي حللتم بها مكانا لصلاتكم وعبادتكم ، بعد أن حال فرعون وجنده بينكم وبين أداء عباداتكم في الأماكن المخصصة لذلك .
هامش
( 1 ) تفسير ( فتح القدير ) للإمام الشوكاني ج 2 ص 466 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 120 | سيد محمد طنطاوي