تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
مكة ، ولأنذر به - أيضا - جميع من بلغه هذا الكتاب الكريم ووصلت إليه دعوته من العرب والعجم في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة . فهذه الجملة تدل على عموم بعثة النبي صلى اللَّه عليه وسلم كما تدل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ، وتعم - أيضا - الذين وجدوا بعد نزوله وبلغتهم دعوته . ولم يروا النبي صلى اللَّه عليه وسلم ففي الحديث الشريف : « بلغوا عن اللَّه - تعالى - فمن بلغته آية من كتاب اللَّه فقد بلغه أمر اللَّه » « 1 » . وعن محمد بن كعب قال : « من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وذلك لأن القرآن الكريم لما كان متواترا بلفظه ومعناه ، كان من بلغه بعد وفاة النبي صلى اللَّه عليه وسلم : كأنما سمعه منه وإن كثرت الوسائط ، لأنه هو الذي بلغه بلا زيادة ولا نقصان ، أما من لم تبلغه دعوة القرآن فلا يصدق عليه أنه بلغته الدعوة ، وحينئذ لا يكون مخاطبا بتعاليم هذا الدين ، وإثمه يكون في أعناق الذين قصروا في تبليغ دعوة الإسلام إليه . ثم أمره - سبحانه - أن يستنكر ما عليه المشركون من كفر وإلحاد ، وأن يعلن براءته منهم ومن معبوداتهم فقال - تعالى - : * ( أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّه آلِهَةً أُخْرى ، قُلْ : لا أَشْهَدُ ، قُلْ إِنَّما هُوَ إِله واحِدٌ وإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) * . أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : إذا كنتم قد ألغيتم عقولكم . وترديتم في مهاوي الشرك والضلال ، وشهدتم بأن مع اللَّه آلهة أخرى ، فإني برئ منكم ومن أعمالكم القبيحة ، ومحال أن أشهد بما شهدتم به ، وإنما الذي أشهد به وأعتقده ، أن اللَّه - تعالى - واحد لا شريك له ، وإنني بعيد كل البعد عن ضلالكم وجحودكم . والاستفهام في قوله * ( أَإِنَّكُمْ ) * إنكاري ، جيء به لاستقباح ما وقع منهم من شرك ، وأكد قوله * ( لَتَشْهَدُونَ ) * للإشارة إلى تغلغل الضلال في نفوسهم ، واستيلاء الجحود على قلوبهم . وعبر عن أوثانهم بأنها * ( آلِهَةً أُخْرى ) * مجاراة لهم في زعمهم الباطل ومبالغة في توبيخهم والتهكم بهم . وفي أمره - سبحانه - لنبيه صلى اللَّه عليه وسلم بأن يصارحهم بأنه لا يشهد بشهادتهم « قل : لا أشهد » توبيخ لهم على جهالتهم ، وتوجيه لأتباعه إلى الاقتداء به في شجاعته أمام الباطل ، وفي ثباته على مبدئه . وقد تضمن قوله - تعالى : * ( قُلْ إِنَّما هُوَ إِله واحِدٌ ) * اعتراف كامل بوحدانية اللَّه ، وقصرها عليه - سبحانه - ، وتصريح بالبراءة التامة من الأوثان وعابديها ، وتنديد شديد بهذا العمل الباطل .
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 126 .