التي ركبت فيها ولكنها في الواقع لا تبصر لخلوها من الحياة .
وبذلك تكون هذه الآيات الكريمة قد وبخت المشركين وآلهتهم أعظم توبيخ ، وأثبتت بالأدلة المنطقية الحكيمة ، وبوسائل الحس والمشاهدة أن هذه الأصنام لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ، وأن الذين قالوا في شأنها ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّه زُلْفى هم قوم غافلون جاهلون ، قد هبطوا بعقولهم إلى أحيط الدركات ، لأنهم يتقربون إلى اللَّه زلفى عن طريق ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنهم شيئا ، بل لا يستطيع أن يدفع الأذى عن نفسه .
وفي الوقت نفسه فالآيات دعوة قوية لكل عاقل إلى أن يجعل عبادته وخضوعه للَّه الواحد .
القهار .
ثم تتجه السورة الكريمة بعد ذلك إلى شخص الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فترسم له ولكل عاقل طريق معاملته للخلق على وجه يقيه شر الحرج والضيق فتقول .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 199 ]
خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 )
العفو : يطلق في اللغة على خالص الشيء وجيده ، وعلى الفضل الزائد فيه ، وعلى السهل الذي لا كلفة فيه .
أي : خذ ما عفا وسهل وتيسر من أخلاق الناس ، وارض منهم بما تيسر من أعمالهم وتسهل من غير كلفة . ولا تطلب منهم ما يشق عليهم ويرهقهم حتى لا ينفروا ، وكن لينا رفيقا في معاملة أتباعك ، فإنك لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ * ( وأْمُرْ بِالْعُرْفِ ) * أي : مر غيرك بالمعروف المستحسن من الأفعال ، وهو كل ما عرف حسنه في الشرع ، فإن ذلك أجدر بالقبول من غير نكير ، فإن النفوس حين تتعود الخير الواضح الذي لا يحتاج إلى مناقشة وجدال ، يسلس قيادها ، ويسهل توجيهها .
* ( وأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) * الذين لا يدركون قيم الأشياء والأشخاص والكلمات فيما يبدر منهم من أنواع السفاهة والإيذاء لأن الرد على أمثال هؤلاء ومناقشتهم لا تؤدى إلى خير ، ولا تنتهي إلى نتيجة . والسكوت عنهم احتزام للنفس ، واحترام للقول ، وقد يؤدى الإعراض عنهم إلى تذليل نفوسهم وترويضها .
وهذه الآية على قصرها تشتمل - كما قال العلماء - على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان لأخيه الإنسان ، وهي طريق قويم لكل ما تطلبه الإنسانية الفاضلة لأبنائها الأبرار ، وقد جاءت في أعقاب حديث طويل عن أدلة وحدانية اللَّه - تعالى - وأبطال الشرك والشركاء ، لكي
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 458
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٤٥٨