تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
والضمير في * ( يُشْرِكُونَ ) * يعود على أولئك الآباء الذين جعلوا للَّه شركاء : هذا والمحققون من العلماء يرون أن هاتين الآيتين قد سيقتا توبيخا للمشركين حيث إن اللَّه - تعالى - أنعم عليهم بخلقهم من نفس واحدة ، وجعل أزواجهم من أنفسهم ليأنسوا بهن ، وأعطاهم الذرية ، وأخذ عليهم العهود بشكره على هذه النعم ، ولكنهم جحدوا نعمه وأشركوا معه في العبادة والشكر آلهة أخرى * ( فَتَعالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * . ويرى بعض المفسرين أن المراد بهذا السياق آدم وحواء ، واستدلوا على ذلك بما رواه الإمام أحمد - بسنده - عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « لما طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال لها سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش ، وكان ذلك من وحى الشيطان وأمره . وقد أثبت ابن كثير في تفسيره ضعف هذا الحديث من عدة وجوه ، ثم قال : قال الحسن : عنى اللَّه - تعالى - بهذه الآية ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده ، وقال قتادة : كان الحسن يقول : هم اليهود والنصارى رزقهم اللَّه أولادا فهودوا ونصروا . قال ابن كثير : وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية ، ونحن على مذهب الحسن البصري في هذا ، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته ، ولهذا قال : * ( فَتَعالَى اللَّه عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * « 1 » . وقال صاحب الانتصاف : والأسلم والأقرب أن يكون المراد - واللَّه أعلم - جنسي الذكر والأنثى لا يقصد فيه إلى معين . وكأن المعنى خلقكم جنسا واحدا ، وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن ، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر ، الجنس الآخر الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت . وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون على حد قولهم : « بنو فلان قتلوا قتيلا » يعنى من نسبة البعض إلى الكل « 2 » . والذي نراه أن الآيتين واردتان في توبيخ المشركين على شركهم ونقضهم لعهودهم مع اللَّه - تعالى - لأن الأحاديث والآثار التي وردت في أنهما وردتا في شأن آدم وحواء لتسميتهما ابنهما بعبد الحارث اتباعا لوسوسة الشيطان لهما - ليست صحيحة ، كما أثبت ذلك علماء الحديث . ثم أخذت السورة بعد ذلك في توبيخ المشركين ، وفي إبطال شركهم بأسلوب منطقي حكيم فقالت :
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 2 ص 274 . ( 2 ) الانتصاف على الكشاف ج 2 ص 186 لابن المنبر - بتصرف يسير - .