تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
أي : يسألونك يا محمد هذا السؤال كأنك حفى عنها أي : كأنك حفى عنها أي : كأنك عالم بها . من حفى عن الشيء إذا بحث عن تعرف حاله بتتبع واستقصاء ومن بحث عن شيء وسأل عنه استحكم علمه به ، وعدى * ( حَفِيٌّ ) * بعن اعتبارا لأصل معناه ، وهو السؤال والبحث . قال صاحب الكشاف : * ( كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ) * عالم بها . وحقيقته كأنك بليغ في السؤال عنها ، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه . استحكم علمه فيه ورصن - أي ثبت وتمكن - ، وهذا التركيب معناه المبالغة ومنه إحفاء الشارب ، واحتفاء البقل ، استئصاله ، وأحفى في المسألة إذا ألحف - أي ألح وتشدد - وحفى بفلان وتحفى به : بالغ في البر به . . وقيل : إن قريشا قالت له إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة ؟ فقيل : يسألونك عنها كأنك حفى تتحفى بهم فتختصهم بتعليم وقتها لأجل القرابة وتزوى علمها عن غيرهم ، ولو أخبرت بوقتها لمصلحة عرفها اللَّه في اخبارك به ، لكنت مبلغه للقريب والبعيد من غير تخصيص ، كسائر ما أوحى إليك . ثم قال : فإن قلت : لم كرر يسألونك وإنما علمها عند اللَّه ؟ قلت : للتأكيد ولما جاء به من زيادة قوله * ( كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ) * وعلى هذا تكرير العلماء والحذاق « « 1 » . وقال صاحب الانتصاف : وفي هذا النوع من التكرير نكتة لا تلقى إلا في الكتاب العزيز ، وهو أجل من أن يشارك فيها . وذاك أن المعهود في أمثال هذا التكرار أن الكلام إذا بنى على مقصد واعترض في أثنائه عارض فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول وقد بعد عهده ، طري بذكر المقصد الأول لتتصل نهايته ببدايته ، وقد تقدم لذلك في الكتاب العزيز أمثال ، وسيأتي ، وهذا منها فإنه لما ابتدأ الكلام . بقوله « يسألونك عن الساعة أيان مرساها » ثم اعترض ذكر الجواب المضمن في قوله * ( قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي ) * إلى قوله * ( بَغْتَةً ) * أن يدمغ تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم ، وهو المضمن في قوله * ( كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ) * وهو شديد التعلق بالسؤال وقد بعد عهده ، فطري ذكره تطرية عامة ، ولا تراه أبدا يطري إلا بنوع من الإجمال كالتذكرة للأول مستغنى عن تفصيله بما تقدم . فمن ثم قيل * ( يَسْئَلُونَكَ ) * ولم يذكر المسؤول عنه وهو « الساعة » اكتفاء بما تقدم ، فلما كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا فقال : * ( قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّه ) * ويلاحظ هذا في تلخيص الكلام بعد بسطه « « 2 » . هذا ، وإذا كان علم الساعة مرده إلى اللَّه وحده ، فإن هناك نصوصا من الكتاب والسنة تحدثت عن أماراتها وعلاماتها ، ومن ذلك قوله - تعالى - :
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 185 . ( 2 ) الانتصاف على الكشاف ج 2 ص 184 لابن المنير .