تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
لإعراض القلب عن ذكره تعالى . وإذا ثبت هذا التحقيق ظهر أن الاشتغال بعبادة غير اللَّه متبر وباطل وضائع . وسعى في تحصيل ضد هذا الشيء ونقيضه ، لأنا بينا أن المقصود من العبادة رسوخ معرفة اللَّه - تعالى - في القلب . والاشتغال بعبادة غير اللَّه يزيل معرفته عن القلب ، فكان هذا ضد الغرض ونقيضا للمطلوب - واللَّه أعلم - ) « 1 » . ثم مضى موسى - عليه السلام - يستنكر عليهم هذا الطلب ، ويبين لهم أن اللَّه وحده هو المستحق للعبادة فقال : * ( أَغَيْرَ اللَّه أَبْغِيكُمْ إِلهاً وهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ) * . أي قال موسى - عليه السلام مذكرا قومه بنعم اللَّه عليهم الموجبة لإفراده بالعبادة والخضوع : أغير اللَّه أطلب لكم معبودا أحملكم على العبودية له ، وهو فضلكم على عالمي زمانكم ، وقد كان الواجب عليكم أي تخصوه بالعبادة ، كما اختصكم هو بشتى النعم الجليلة . فالاستفهام في الآية الكريمة للإنكار المشرب معنى التعجب لابتغائهم معبودا سوى اللَّه - تعالى - الذي غمرهم بنعمه ، وأحاطهم بألوان إحسانه . و « غير » كما قال الجمل - منصوب على أنه مفعول به لأبغيكم على حذف اللام والتقدير : أأبغي لكم غير اللَّه إلها ، فلما حذف الحرف وصل الفعل بنفسه وهو غير منقاس . و « إلها » تمييز لغير . ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة إنجائهم من العذاب والتنكيل ، ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون ، فقال تعالى : * ( وإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ ، يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ) * . « إذ » بمعنى وقت ، وهي مفعول به لفعل ملاحظ في الكلام وهو اذكروا أي : اذكروا وقت أن أنجيناكم من آل فرعون . والمراد من التذكير بالوقت تذكيرهم بما وقع فيه من أحداث . وآل الرجل : أهله وخاصته وأتباعه . ويطلق غالبا على أولى الشأن والخطر من الناس ، فلا يقال آل الحجام أو الإسكاف . و * ( يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ ) * يبغون لكم أشد العذاب وأفظعه من السوم وهو مطلق الذهاب ، أو الذهاب في ابتغاء الشيء . يقال : سامت الإبل فهي سائمة ، أي ذهبت إلى المرعى . وسام السلعة ، إذا طلبها وابتغاها . والسوء - بالضم - كل ما يحزن الإنسان ويغمه من الأمور الدنيوية أو الأخروية . ويستحيون : أي يستبقون . يقال : استحياه أي : استبقاه ، وأصله : طلب له الحياة والبقاء .
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ج 4 ص 291 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 367 | سيد محمد طنطاوي