تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
وقوله - تعالى - * ( وجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ ) * بيان للمنة العظيمة التي منحهم اللَّه إياها ، وهي عبورهم البحر بعد أن ضربه موسى بعصاه ، فأصبح طريقا يابسا يسيرون فيه بأمان واطمئنان حتى عبروه إلى الناحية الأخرى ، يصحبهم لطف اللَّه ، وتحدوهم عنايته ورعايته . وجاوز بمعنى أصل الفعل الذي هو جاز ، أي : قطعنا بهم البحر . يقال : جاز الوادي وجاوزه إذا قطعه وخلفه وراء ظهره . والمراد بالبحر : بحر القلزم وهو المسمى الآن بالبحر الأحمر . وقوله تعالى * ( فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ ) * بيان لما شاهدوه من أحوال بعض المشركين عقب عبورهم البحر ونجاتهم من عدوهم ، فماذا كانت نتيجة هذه المشاهدة ؟ لقد كان المتوقع منهم أن يحتقروا ما شاهدوه ، وأن ينفروا مما أبصروه ، لأن العهد لم يطل بهم منذ أن كانوا يسامون سوء العذاب في ظل عبادة الأصنام عند فرعون وقومه ، ولأن نجاتهم مما كانوا فيه من ذل وهوان ، قد تمت على يد نبيهم الذي دعاهم إلى توحيد اللَّه - تعالى - لكي يزيدهم من فضله . ولكن طبيعة بني إسرائيل المعوجة لم تفارقهم ، فها هم أولاء ما إن وقعت أبصارهم على قوم يعكفون ويداومون على عبادة أصنام لهم « 1 » ، حتى انجذبوا إليها وطلبوا من نبيهم الذي جاء لهدايتهم ، أن يجعل لهم وثنا كغيرهم لكي يعبدوه من جديد . لقد حكى القرآن عنهم أنهم عندما شاهدوا هذا المنظر ، ما لبثوا أن قالوا لنبيهم * ( يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) * . قالوا ذلك لأن الإيمان لم يستقر في قلوبهم ، ولأن ما ألفوه من عبادة الأصنام أيام استعباد فرعون لهم ، ما زال متمكنا من نفوسهم ، ومسيطرا على عقولهم ، وهكذا عدوى الأمراض تصيب النفوس كما تصيب الأبدان ، وهكذا طبيعة بني إسرائيل ما تكاد تهتدى حتى تضل ، وما تكاد ترتفع حتى تنحط وما تكاد تسير في طريق الاستقامة حتى ترتكس وتنتكس . وفي قولهم لنبيهم * ( اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ) * بصيغة الأمر أكبر دليل على غباء عقولهم ، وسوء أدبهم لأنهم لو استأذنوه - مثلا - في اتخاذ صنم يعبدونه كغيرهم لكان شأنهم أقل غرابة ولكن الذي حصل منهم أنهم طلبوا منه - وهو نبيهم الداعي لهم إلى توحيد اللَّه تعالى والمنقذ لهم من عدوهم الوثني الجبار - أن يقوم هو بنفسه بصناعة صنم لكي يعبدوه كغيرهم ! ! .
هامش
( 1 ) اختلف المفسرون في شأن القوم الذين كانوا يعكفون على أصنام لهم عند مرور بني إسرائيل بهم ، فقيل هم من عرب لخم . وقيل هم من لخم وجذام . وقيل كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى - قومه بقتالهم ، وقيل إنهم من العرب الذين كانوا يقيمون بقرب حدود مصر .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 365 | سيد محمد طنطاوي