تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
بها علة من مرض أو غيره . قيل : إنه كان لها شعاع يغلب ضوء الشمس . قال الآلوسي : قوله * ( فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ) * أي : بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن العادة يجتمع عليه النظار . وقيل المعنى : بيضاء لأجل النظار لا أنها بيضاء في أصل خلقتها ، لأنه - عليه السلام - كان آدم - أي أسمر - شديد الأدمة فقد أخرج البخاري عن عبد اللَّه بن عمر قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « وأما موسى فآدم جثيم سبط كأنه من رجال الزط » وعنى صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالزط جنسا من السودان والهنود « « 1 » . وبذلك يكون موسى قد أتى بالبينة التي تدعو فرعون وملأه إلى الإيمان به فهل آمنوا ؟ كلا إنهم ما آمنوا بل استمروا في ضلالهم ، وحكى لنا القرآن أن حاشية فرعون السيئة ، وأصحاب الجاه والغنى في دولته غاظهم ما جاء به موسى ، يدل على ذلك قوله - تعالى - * ( قالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ) * . أي : قال الأشراف من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم ، أي : راسخ في علم السحر ، ماهر فيه . ولم يكتفوا بهذا القول الباطل ، بل أخذوا يثيرون الناس على موسى ، ويهولون لهم الأمر ليقفوا في وجهه فقالوا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِه فَما ذا تَأْمُرُونَ . أي : يريد هذا الساحر أن يسلب منكم ملككم ، وأن يصبح هو ملكا على مصر ، فماذا تأمرون لاتقاء هذا الخطر الداهم ؟ وبما ذا تشيرون في أمره ؟ فهو من الأمر بمعنى المشاورة . يقال : آمرته فآمرنى . أي : شاورته فأشار على . قال صاحب الكشاف : فإن قلت قد عزى هذا الكلام إلى فرعون في سورة الشعراء حيث قال : قالَ لِلْمَلإِ حَوْلَه أي قال فرعون للملأ حوله إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ . يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِه فَما ذا تَأْمُرُونَ ؟ وهنا عزى إلى الملأ فكيف الجمع ، قلت : قد قاله هو وقالوه هم فحكى قوله هناك وقولهم هاهنا . أو قاله ابتداء فتلقفه منه الملأ فقالوه لأعقابهم . أو قالوه عنه للناس عن طريق التبليغ كما يفعل الملوك ، يرى الواحد منهم الرأي فيكلم به من يليه من الخاصة ، ثم تبلغه الخاصة العامة . . . وقولهم : * ( فَما ذا تَأْمُرُونَ ) * من أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي : وقيل : * ( فَما ذا تَأْمُرُونَ ) * من كلام فرعون ، قاله للملأ لما قالوا له : إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم « كأنه قيل : فماذا تأمرون ؟ فأجابوه : أرجه وأخاه . . « « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 8 ص 21 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 139 .