تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
ثم بين - سبحانه - ما جرى بعد ذلك فقال : * ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ، أَنْ لَعْنَةُ اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ . الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه ويَبْغُونَها عِوَجاً ) * . التأذن : رفع الصوت بالإعلام بالشيء . واللعنة : الطرد والإبعاد مع الخزي والإهانة . والمعنى : بعد أن قامت الحجة على الكافرين وثبت الفوز للمؤمنين . نادى مناد بين الفريقين بقوله : لعنة اللَّه على الظالمين لأنفسهم ، ولغيرهم ، الذين من صفاتهم أنهم يمنعون الناس عن اتباع شريعة اللَّه ، ويريدون لها أن تكون معوجة غير مستقيمة حتى لا يتبعها الناس ، وهم بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب جاحدون مكذبون . وفي قوله : * ( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ ) * . نكر المؤذن لأن معرفته غير مقصودة بل المقصود الإعلام بما يكون هناك من الأحكام ولم يرو عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فيه شيء ، فهو من أمور الغيب التي لا تعلم علما صحيحا إلا بالتوقيف المستند إلى الوحي ، وما ورد في ذلك فهو من الآثار التي لا يعتمد عليها . قال بعض العلماء : « وفي هاتين الآيتين تعرض السورة لمرحلة أخرى من مراحل العذاب ، وهي نداء أصحاب الجنة لأصحاب النار نداء يسجل عليهم الخزي والنكال ، ويشعرهم بالحسرة والندامة ، إذ كذبوا بما يرونه الآن واقعا في مقابلة النعيم الذي صار إليه أهل الإيمان ، وأحسوا به كذلك واقعا . وفي هذا نرى صورة من الحديث الذي يمثل الرضا والاطمئنان واللذة من جانب . ويمثل الحسرة والذلة والقلق من جانب آخر . ويصور الحكم النافذ الذي لا مرد له ولا محيص عنه يؤذن به مؤذن لا يدرك كنهه ولا يعلم من هو ولا ما صوته ولا كيف يلقى أذانه ، ولا كيف يكون أثر هذا الأذن في نفوس سامعه . وإنه لتصوير قوى بارع ، يحرك إليه النفوس ، ويهز المشاعر ، ويبين أن النهاية الأليمة المتوقعة لهؤلاء المكذبين ، إنما هي تسجيل اللعنة عليهم ، والطرد والحرمان من رحمة اللَّه ، مشيرا إلى أسباب ذلك الحرمان الماثلة في ظلمهم الذي كونه صدهم عن سبيل اللَّه ، وبغيهم إياها عوجا وانحرافا وكفرهم بدار الجزاء « « 1 » . ثم ينتقل القرآن إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة ، يحدثنا فيه عن أصحاب الأعراف وما يدور بينهم وبين أهل الجنة وأهل النار من حوار فيقول :
هامش
( 1 ) تفسير القرآن الكريم ص لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت .