قلت : الفرق بينهما أن الأول مجاز والثانية حقيقة ، وذلك لأن الآيات صرفت للنبيين ولم تصرف ليقولوا درست ، ولكن لأنه حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل للنبيين شبه به فسيق مساقه » .
ثم أمر اللَّه تعالى رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يستمر في دعوته دون أن يعول على تعنت المشركين فقال - تعالى - * ( اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِله إِلَّا هُوَ وأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) * .
أي عليك يا محمد أن تداوم على تبليغ رسالتك ، متبعا في ذلك ما أوحاه إليك ربك الذي لا إله إلا هو من آيات وهدايات ، معرضا عن المشركين الذين يفترون على اللَّه الكذب وهم يعلمون .
وجملة * ( لا إِله إِلَّا هُوَ ) * معترضة لتأكيد إيجاب الاتباع ، أو حال مؤكدة لقوله « من ربك » بمعنى : منفردا في الألوهية .
ثم هون عليه أمر إعراضهم فقال - تعالى - * ( ولَوْ شاءَ اللَّه ما أَشْرَكُوا ) * . أي : ولو شاء اللَّه عدم إشراكهم لما أشركوا ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك لأنه جرت سنته برعاية الاستعدادات .
قال الآلوسي : وهذا دليل أهل السنة على أنه تعالى - لا يريد إيمان الكافر لكن لا بمعنى أنه يمنعه عنه مع توجهه إليه ، ولكن بمعنى أنه - تعالى - لا يريده منه لسوء اختياره الناشئ من سوء استعداده « « 2 » .
وقوله * ( وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) * أي : وما جعلناك عليهم حفيظا يحفظ عليهم أعمالهم لتحاسبهم وتجازيهم عليها وما أنت عليهم بوكيل تدبر عليهم أمورهم وتتصرف فيها ، وإنما أنت وظيفتك التبليغ قال - تعالى - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وعَلَيْنَا الْحِسابُ وقال - تعالى - فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ .
ثم أرشد اللَّه المؤمنين إلى مكارم الأخلاق ، فنهاهم عن سب آلهة المشركين حتى لا يقابلهم المشركون بالمثل فقال - تعالى - : * ( ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ) * .
السب : الشتم الوضيع وذكر مساوئ الغير لمجرد التحقير والإهانة .
وعدوا : مصدر بمعنى العدوان والظلم والتجاوز من الحق إلى الباطل وهو مفعول مطلق
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 55 .
( 2 ) تفسير الآلوسي ج 7 ص 250 .