تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
بإيراد أدلة فاسدة واقعة في حضيض التقليد ، وأخرى بالتهديد والتخويف ، فقد حكى القرآن أنهم قالوا له عندما نهاهم عن عبادة الأصنام وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ . وقد رد عليهم إبراهيم ردا قويا جريئا فقال لهم : * ( أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّه وقَدْ هَدانِ ) * أي أتجادلونني في شأنه - تعالى - وفي أدلة وحدانيته ، والحال أنه - سبحانه - قد هداني إلى الدين الحق وإلى إقامة الدليل عليكم بأنه هو المستحق للعبادة . والاستفهام للإنكار والتوبيخ وتيئيسهم من رجوعه إلى معتقداتهم . وجملة * ( وقَدْ هَدانِ ) * حال مؤكدة للإنكار أي لا جدوى من محاجتكم إياي بعد أن هداني اللَّه إلى الطريق المستقيم ، وجعلني من المبغضين للأصنام المحتقرين لها . ثم صارحهم بأنه لا يخشى أصنامهم ولا يقيم لها وزنا فقال : * ( ولا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِه ) * أي لا أخاف معبوداتكم لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع ، ولا تقرب ولا تشفع . ويبدو أن قومه كانوا قد خوفوه بطش أصنامهم وقالوا له كما قالت قبيلة عاد لنبيها هود إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ فرد عليهم إبراهيم هذا الرد القوى الصريح . وقوله * ( إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً ) * استثناء مما قبله أي : لا أخاف معبوداتكم في جميع الأوقات إلا وقت مشيئة ربي شيئا من المكروه يصيبني من جهتها بأن يسقط على صنم يشجنى ، فإن ذلك يقع بقدرة ربي ومشيئة لا بقدرة أصنامكم أو مشيئتها ، وعلى هذا التفسير الذي ذهب إليه صاحب الكشاف يكون الاستثناء متصلا . ويرى ابن عطية وغيره أن الاستثناء منقطع على معنى : لا أخاف معبوداتكم ولكن أخاف أن يشاء ربي خوفي مما أشركتم به . وهذه الجملة الكريمة تدل على سمو أدب إبراهيم - عليه السلام - مع ربه ، وعلى نهاية استسلامه لمشيئته ، فمع أنه مؤمن بخالقه كل الإيمان وكافر بتلك الآلهة كل الكفران ، إلا أنه ترك الأمر كله لمشيئة اللَّه ، وعلق مستقبله على ما يريد اللَّه فيه . وقوله * ( وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) * أي : أن علم ربي وسع كل شيء وأحاط به ، فلا يبعد أن يكون في علمه إنزال ما يخفيني من جهة تلك المعبودات الباطلة لسبب من الأسباب . وهذه الجملة الكريمة مستأنفة استئنافا بيانيا فكأن قومه قد قالوا : كيف يشاء ربك شيئا تخافه فكان جوابه عليهم : * ( وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) * فأنا وإن كنت عبده وناصره إلا أنه أعلم بإلحاق الضر أو النفع بمن يشاء من عباده . و * ( عِلْماً ) * منصوب على التمييز المحول عن الفاعل ، إذ الأصل في هذا التعبير « أن يقال :
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 113 | سيد محمد طنطاوي