والصيد المنهي عن قتله هنا : صيد البر ، لأن صيد البحر قد أحله اللَّه بعد ذلك بقوله :
* ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وطَعامُه ) * الآية .
والنهى كما يتناول قتل صيد البر بإزهاق روحه بأي طريق من طرق الإزهاق ، يتناول - أيضا - قتله بطريق التسبب كالإشارة إليه مثلا . ويتناول كذلك حظر الصيد نفسه ، لقوله - تعالى - في مطلع هذه السورة : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأَنْتُمْ حُرُمٌ .
ولقوله - تعالى - بعد هذه الآية التي معنا : * ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وطَعامُه مَتاعاً لَكُمْ ولِلسَّيَّارَةِ ، وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ) * .
فالنهي في قوله - تعالى - * ( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُمْ حُرُمٌ ) * يتناول القتل عن طريق المباشرة أو التسبب كما يتناول أي عمل يؤدى إلى صيد الحيوان .
وإنما كان النهى في الآية منصبا على القتل ، لأنه هو المقصود الأعظم من وراء مباشرة عملية الصيد إذ الصائد يريد قتل المصيد لكي يأكله في الغالب .
هذا ، وقد اختلف الفقهاء في المصيد الذي يحرم صيده على المحرم .
فذهب بعضهم إلى أن المراد به ما يصاد مطلقا سواء أكان مأكولا أم غير مأكول ولا يستثنى من ذلك إلا ما جاء النص باستثنائه ، وذلك لأن الصيد اسم عام يتناول كل ما يصاد من المأكول ومن غير المأكول .
وبهذا الرأي قال الأحناف ومن وافقهم من الفقهاء .
ويرى الشافعية أن المراد به المأكول فقط ، لأن الصيد إنما يطلق على ما يحل أكله فحسب .
وقد انبنى على هذا الخلاف أن من قتل وهو محرم سبعا ، فالأحناف يرون أنه يجب عليه الجزاء الذي فصلته الآية . والشافعية يرون أنه لا يجب عليه ذلك .
قال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى - * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُمْ حُرُمٌ ) * .
هذا تحريم منه - تعالى - لقتل الصيد في حال الإحرام ، ونهى عن تعاطيه فيه . وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول ولو ما تولد منه ومن غيره ، فأما غير المأكول من حيوانات البر ، فعند الشافعي يجوز قتلها ، والجمهور على تحريم قتلها أيضا ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم : الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور « - وفي رواية الحية بدل العقرب - ومن العلماء
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 293
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢٩٣