ومع ذلك لا يدرون النافع منهم ، لأن اللَّه - تعالى - وحده هو العليم بأحوال عباده ، وبما تسره وتعلنه نفوسهم .
ثم أكد اللَّه - تعالى - وجوب الانقياد لما شرعه لهم في شأن المواريث بتأكيدين :
أولهما : قوله - تعالى - * ( فَرِيضَةً مِنَ اللَّه ) * .
أي : فرض اللَّه ذلك التقسيم للميراث فريضة ، وقدره تقديرا فلا يجوز لكم أن تخالفوه ، لأنه تقدير اللَّه وقسمته ، وليس لأحد أن يخالف قسمة اللَّه وشرعه .
وقوله * ( فَرِيضَةً ) * منصوب على أنه مصدر مؤكد لنفسه ، على حد قولهم هذا ابني حقا ، لأنه واقع بعد جملة لا محتمل لها غيره ، فيكون فعله الناصب له محذوفا وجوبا . أي فرض ذلك فريضة من اللَّه .
وأما التأكيد الثاني : فهو قوله - تعالى - : * ( إِنَّ اللَّه كانَ عَلِيماً حَكِيماً ) * أي إن اللَّه - تعالى - كان عليما بما يصلح أمر العباد في دنياهم وآخرتهم ، حكيما فيما قضى وقدر من شؤون وتشريعات ، فعليكم أن تقفوا عندما قضى وشرع لتفوزوا بمثوبته ورعايته ورضاه .
قال الفخر الرازي ما ملخصه : ومناسبة هذا الكلام هنا أنه - تعالى - لما ذكر أنصباء الأولاد والأبوين ، وكانت تلك الأنصباء مختلفة . . والإنسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه لكانت أنفع له وأصلح ، لا سيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث مخالفة لما جاء به الإسلام . لما كان الأمر كذلك أزال اللَّه هذه الشبهة بأن قال : إنكم تعلمون أن عقولكم لا تحيط بمصالحكم ، فربما اعتقدتم في شيء أنه صالح لكم وهو عين المضرة ، وربما اعتقدتم فيه أنه عين المضرة وهو عين المصلحة ، وأما الإله الحكيم الرحيم فهو عالم بمغيبات الأمور وعواقبها ، فاتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم ، وكونوا مطيعين لأمر اللَّه في هذه التقديرات التي قدرها لكم ، فقوله * ( آباؤُكُمْ وأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً ) * إشارة إلى ترك ما يميل إليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة . وقوله : * ( فَرِيضَةً مِنَ اللَّه ) * إشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة التي قدرها الشرع وقضى بها » « 1 » .
وبعد أن بين - سبحانه - ميراث الأولاد والأبوين شرع في بيان ميراث الأزواج فقال - تعالى - : * ( ولَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ . فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ) * .
أي : ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم من المال إن لم يكن لهؤلاء الزوجات
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 218