* ( ومَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ) * .
والاستعفاف عن الشيء تركه . يقال : عف الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك عنه .
والعفة : الامتناع عما لا يحل .
أي : ومن كان من الأولياء أو الأوصياء على أموال اليتامى غنيا فليستعفف أي فليتنزه عن أكل مال اليتيم ، وليقنع بما أعطاه اللَّه من رزق وفير إشفاقا على مال اليتيم . ومن كان فقيرا من هؤلاء الأوصياء فليأكل بالمعروف ، بأن يأخذ من مال اليتيم على قدر حاجته الضرورية وأجر سعيه وخدمته له . فقد روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم . قال فقال له النبي صلى اللَّه عليه وسلم : كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل » « 1 » . أي غير مسرف في الأخذ ، ولا مبادر أي متعجل ، ولا جامع منه ما يتجاوز حاجتك .
ثم بين - سبحانه - ما ينبغي على الأوصياء عند انتهاء وصايتهم على اليتامى وعند دفع أموالهم إليهم فقال : * ( فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللَّه حَسِيباً ) * .
أي : فإذا أردتم أيها الأولياء أن تدفعوا إلى اليتامى أموالهم التي تحت أيديكم بعد البلوغ والرشد ، فأشهدوا عليهم عند الدفع بأنهم قبضوها وبرئت عنها ذممكم ، لأن هذا الإشهاد أبعد عن التهمة ، وأنفى للخصومة ، وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة .
وقوله - تعالى - * ( وكَفى بِاللَّه حَسِيباً ) * أي كفى باللَّه محاسبا لكم على أعمالكم وشاهدا عليكم في أقوالكم وأفعالكم ، ومجازيا إياكم بما تستحقون من خير أو شر ، لأنه - سبحانه - لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء . وإنكم إن أفلتم من حساب الناس في الدنيا فلن تفلتوا من حساب اللَّه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فعليكم أن تتحروا الحلال في كل تصرفاتكم . ففي هذا التذييل وعيد شديد لكل جاحد لحق غيره ، ولكل معتد على أموال الناس وحقوقهم ، ولا سيما اليتامى الذين فقدوا الناصر والمعين .
هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة جملة من الأحكام منها :
1 - أن على الأوصياء أن يختبروا اليتامى بتتبع أحوالهم في الاهتداء إلى ضبط الأموال وحسن التصرف فيها ، وأن يمرونهم على ذلك بحسب ما يليق بأحوالهم .
ويرى جمهور العلماء أن هذا الاختبار يكون قبل البلوغ . ويرى بعضهم أن هذا الاختبار يكون بعد البلوغ .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي ج 5 ص 41 .