تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
أي : انتهوا عما أنتم فيه من ضلال يا معشر أهل الكتاب ، واتركوا القول بالتثليث ، يكن انتهاؤكم خيرا لكم ، بعبادتكم للَّه وحده تكونون قد خرجتم من ظلمات الشرك إلى نور الوحدانية . وقوله : * ( إِنَّمَا اللَّه إِله واحِدٌ ) * إثبات لوحدانية اللَّه - تعالى - بأقوى طريق . أي : إن المعبود بحق ليس إلا واحد ، وهو اللَّه - تعالى - ذو الجلال والإكرام ، الخالق لهذا الكون ، والمدبر لأمره . وقوله : * ( سُبْحانَه أَنْ يَكُونَ لَه وَلَدٌ ) * تنزيه له - جل وعلا - عن صفات المخلوقين ، وتوبيخ لمن وصفه بصفات لا تليق به . وسبحان منصوب بفعل مقدر من لفظه : أي : أسبحه تسبيحا وأنزهه تنزيها عن أن يكون له ولد ، لأن الأبوة والبنوة من صفات المخلوقين ، وهو - سبحانه - منزه عن صفات المخلوقين ، قال - تعالى - : لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . وقوله * ( لَه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ) * جملة مستأنفة مسوقة لتعليل التنزيه أي أنه - سبحانه - مالك لجميع الموجودات علويها وسفليها ، ولا يخرج عن ملكه منها شيء . قال - تعالى - إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ومن كان شأنه كذلك تنزه عن أن يلد أو يولد أو يكون له شريك في ملكه . وقوله : * ( وكَفى بِاللَّه وَكِيلًا ) * تذييل قصد به بيان سعة قدرته - سبحانه وهيمنته على هذا الكون . والوكيل : هو الحافظ والمدبر لأمر غيره . أي : وكفى باللَّه وكيلا يكل إليه الخلق كلهم أمورهم ، فهو الغنى عنهم وهم الفقراء إليه . ومفعول كفى محذوف للعموم . أي : كفى كل أحد وكالة اللَّه وحفظه وتدبيره ، فتوكلوا عليه وحده ، ولا تتوكلوا على من تزعمونه ابنا له . ثم بين - سبحانه - أن المسيح عيسى - عليه السلام - عبد من عباد اللَّه - تعالى - ، وأنه لن يستنكف أبدا عن عبادة اللَّه والإذعان لأمره فقال : نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّه ولَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ . وأصلسْتَنْكِفَ - يقول القرطبي : نكف ، فالياء والسين والتاء زوائد . يقال : نكفت من الشيء واستنكفت منه وأنكفته أي : نزهته عما يستنكف منه . ومنه الحديث : سئل - رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن سبحان الله فقال : « إنكاف اللَّه من كل سوء » . يعنى : تنزيهه وتقديسه عن الأنداد والأولاد .