ولذا قال الآلوسي : قوله - تعالى - * ( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) * بيان لحال البخل وسوء عاقبته ، وتخطئة لأهله في دعواهم خيريته عقب بيان حال الإملاء . . .
وقيل : وجه الارتباط أنه - تعالى - لما بالغ في التحريص على بذل الأرواح في الجهاد وغيره ، شرع هنا في التحريض على بذل المال ، وبين الوعيد الشديد لمن يبخل به « .
والمعنى : ولا يظنن أولئك الذين يبخلون بما أعطاهم اللَّه من نعم وأموال أن بخلهم فيه خير لهم ، كلا ، بل إن بخلهم هذا فيه شر عظيم لهم .
والنهى عن الحسبان بأن البخل فيه خير في قوله * ( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) * يدل على النفي المؤكد .
أي لا يصح لهم أن يظنوا بأية حال من الأحوال أن ذلك البخل فيه خير لهم . بل الحقيقة أن فيه شرا كبيرا لهم .
وفي قوله * ( بِما آتاهُمُ اللَّه ) * إشعار بسوء صنيعهم ، وخبث نفوسهم ، حيث بخلوا بشيء ليس وليد علمهم واجتهادهم ، وإنما هذا الشيء منحه اللَّه - تعالى - لهم بفضله وجوده ، فكان الأولى لهم أن يشكروه على ما أعطى ، وأن يبذلوا مما أعطاهم في سبيله .
والضمير « هو » يعود على البخل المستفاد من قوله * ( يَبْخَلُونَ ) * .
ويرى الزمخشري أنه ضمير فصل لتأكيد نفى الظن في الخيرية .
وفي إعادة الضمير ، وذكر الجملة الاسمية في قوله * ( بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ) * تأكيد لمعنى الشر في البخل ، وأنه لا خير من ورائه قط ، ففي الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم » .
ثم بين - سبحانه - المصير المؤلم لأولئك البخلاء فقال - تعالى - * ( سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِه يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * .
وقوله * ( سَيُطَوَّقُونَ ) * مشتق من الطوق ، وهو ما يلبس من أسفل الرقبة . أي تجعل أموالهم أطواقا حول رقابهم ، وأغلالا حول أجسادهم ، فيعذبون عذابا أليما بحملها .
وجمهور المفسرين على أن الكلام على ظاهره ، وأن عذاب هؤلاء البخلاء بنعم اللَّه ، سيكون نوعا من العذاب الأخروى المحسوس . وقد أيد القرطبي هذا الاتجاه فقال :
« وهذه الآية نزلت في البخل بالمال والإنفاق في سبيل اللَّه وأداء الزكاة المفروضة ، ذهب إلى
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 352
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٥٢