وقوله تعالى فَذَرْنِي ومَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ « 1 » .
ثم بين - سبحانه - بعض الحكم التي اشتملت عليها غزوة أحد فقال تعالى * ( ما كانَ اللَّه لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْه حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) * .
وقوله * ( لِيَذَرَ ) * أي ليترك . والمراد بالمؤمنين : المخلصون الذين صدقوا في إيمانهم والمراد بقوله * ( عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْه ) * أي اختلاط المؤمنين بالمنافقين واستواؤهم في إجراء الأحكام .
ومعنى يميز يفصل . وقرئ يميز أن يحدد ويبين .
والمراد بالخبيث : المنافق ومن على شاكلته من ضعاف الإيمان .
والمراد بالطيب : الصادق في إيمانه .
والمعنى : ليس من شأن اللَّه - تعالى - ولا من حكمته وسنته في خلقه أن يترككم أيها المؤمنون على ما أنتم عليه من الالتباس واختلاط المنافقين بكم ، بل الذي من شأنه وسنته أن يبتليكم ويمتحنكم بألوان من المصائب والشدائد حتى يتميز المؤمنون من المنافقين ، وينفصل الأخيار عن الأشرار .
قال ابن كثير : أي لا بد أن يعقد سببا من المحنة ، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه ، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر ، يعنى بذلك يوم أحد الذي امتحن اللَّه به المؤمنون فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم للَّه ولرسوله وهتك به ستار المنافقين ، فظهرت مخالفتهم ، ونكولهم عن الجهاد ، وخيانتهم اللَّه ولرسوله . قال مجاهد : ميز بينهم يوم أحد » « 2 » .
وعبر - سبحانه - عن المؤمن بالطيب ، وعن المنافق بالخبيث ، ليسجل على كل منهما ما يليق به من الأوصاف ، وللإشعار بعلة الحكم .
وقوله * ( وما كانَ اللَّه لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ولكِنَّ اللَّه يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِه مَنْ يَشاءُ ) * معطوف على قوله * ( ما كانَ اللَّه لِيَذَرَ ) * .
والغيب : ضد المشاهد . وهو كل ما غاب عن الحواس ولا تمكن معرفته إلا عن طريق الوحي من اللَّه تعالى على رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .
واجتبى : من الاجتباء بمعنى الاختيار والاصطفاء .
هامش
( 1 ) سورة القلم الآيتان 44 ، 45 .
( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 432 .