فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال : لا أريد أن يخرج الآن معي إلا من كان معي في القتال - في أحد - .
فخرج الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مع قوم من أصحابه حتى بلغوا حمراء الأسد . وهي مكان على بعد ثمانية أميال من المدينة .
فألقى اللَّه الرعب في قلوب المشركين فانهزموا .
وروى أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة ، ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى . وكان كل ذلك لإثخان الجراح فيهم ، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة .
وقوله * ( اسْتَجابُوا ) * بمعنى أجابوا . وقيل : استجابوا ، أصلها طلبوا الإجابة لأن الأصل في الاستفعال طلب الفعل . والقرح : الجراح الشديدة .
والمعنى : أن اللَّه - تعالى - لا يضيع أجر هؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين أجابوا داعي اللَّه وأطاعوا رسوله ، بأن خرجوا للجهاد في سبيل عقيدتهم بدون وهن أو ضعف أو استكانة مع مآبهم من جراح شديدة ، وآلام مبرحة .
ثم بين - سبحانه - جزاءهم فقال : * ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ واتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) * أي الذين أحسنوا منهم بأن أدوا جميع المأمورات ، واتقوا اللَّه في كل أحوالهم بأن صانوا أنفسهم عن جميع المنهيات ، لهؤلاء أجر عظيم لا يعلم كنهه إلا اللَّه - تعالى - .
وقوله * ( الَّذِينَ اسْتَجابُوا ) * في موضع رفع على الابتداء وخبره قوله * ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ) * ويجوز أن يكون في موضع جر على أنه صفة للمؤمنين في قوله : * ( وأَنَّ اللَّه لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) * .
قال صاحب الكشاف : و « من » في قوله * ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ ) * للتبيين مثلها في قوله - تعالى - وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وأَجْراً عَظِيماً . لأن الذين استجابوا للَّه والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم « 1 » .
ثم مدحهم - سبحانه - على ثباتهم وشجاعتهم وحسن اعتمادهم على خالقهم - عز وجل - ، بعد أن مدحهم قبل ذلك على حسن استجابتهم للَّه ولرسوله فقال - تعالى - :
* ( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وقالُوا : حَسْبُنَا اللَّه ونِعْمَ الْوَكِيلُ ) * .
قال الفخر الرازي ما ملخصه : نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرى ، وذلك أن أبا سفيان
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 441 .