* ( ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ) * معطوف على فرحين لتأويله بيفرحون . أو هو حال من الضمير في * ( فَرِحِينَ ) * بتقدير وهم يستبشرون . . .
وأصل الاستبشار : طلب البشارة وهو الخبر السار الذي تظهر آثاره على البشرة إلا أن المراد هنا السرور استعمالا للفظ في لازم معناه .
أي : أن هؤلاء الشهداء فرحين بما آتاهم اللَّه من فضله من شرف الشهادة ، ومن الفوز برضا اللَّه ، ويسرون بما تبين لهم من حسن مآل إخوانهم الذين تركوهم من خلفهم على قيد الحياة ، لأن الأحياء عندما يموتون شهداء مثلهم سينالون رضا اللَّه وكرامته ، وسيظفرون بتلك الحياة الأبدية الكريمة كما ظفروا هم بها . فالمراد بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم : رفقاؤهم الذين كانوا يجاهدون معهم في الدنيا ولم يظفروا بالشهادة بعد ، لأنهم ما زالوا على قيد الحياة .
وفي هذا دلالة على أن أرواح هؤلاء الشهداء قد منحها اللَّه - تعالى - من الكشف والصفاء ما جعلها تطلع على ما يسرها من أحوال الذين يهمهم شأنهم في الدنيا .
وقيل : إن معنى * ( لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ) * لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم .
وقوله * ( مِنْ خَلْفِهِمْ ) * متعلق بمحذوف حال من فاعل * ( يَلْحَقُوا ) * أي لم يلحقوهم متخلفين عنهم باقين بعد في الدنيا . أو متعلق بقوله * ( يَلْحَقُوا ) * ذاته على معنى أنهم قد يقوا بعدهم وهؤلاء الشهداء قد تقدموهم .
وقوله * ( أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ) * بدل اشتمال من قوله * ( بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ) * مبين لكون استبشارهم بحال إخوانهم لا بذواتهم .
والمعنى : ويستبشرون بما تبين لهم من حال الذين تركوهم من خلفهم في الدنيا من رفقائهم المجاهدين ، وهو أنهم لا خوف عليهم في المستقبل ولا هم يحزنون على ما تركوه في الدنيا ، بل هم سيكونون آمنين مطمئنين بعد فراقهم للدنيا وعند ما يبعثون يوم القيامة .
ونفى عنهم الخوف والحزن ، لأن الخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل في المستقبل .
والحزن يكون بسبب فوات المنافع التي كانت موجودة في الماضي . فبين - سبحانه - أنه لا خوف عليهم فيما سيأتيهم من أحوال القيامة ، ولا حزن لهم فيما فاتهم من متاع الدنيا .
وقوله * ( يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّه وفَضْلٍ وأَنَّ اللَّه لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) * استئناف مبين لما هم عليه من سرور يتعلق بذواتهم . بعد أن بين - سبحانه - سرورهم بحال الذين لم يلحقوا بهم .
والمعنى أن هؤلاء الشهداء يستبشرون بحال إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 338
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٣٨