أي فأقبل إبراهيم على الأصنام يضربها بيمينه ، أو بقوة ، أو بسبب اليمين التي حلفها .
ومن هذا النوع فواتح السور المبدوءة بحروف التهجي لأن التشابه والخفاء في المراد منها جاء من ناحية ألفاظها .
ومنه ما يرجع خفاؤه إلى المعنى ، ومثاله كل ما جاء في القرآن وصفا اللَّه - تعالى - أو لأهوال القيامة ، أو لنعيم الجنة . . فإن العقل البشرى لا يمكن أن يحيط بحقائق صفات الخالق ، ولا بأهوال يوم القيامة ، ولا بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار .
ثم قال - رحمه اللَّه - ويمكننا أن ننوع المتشابهات ثلاثة أنواع :
النوع الأول : مالا يستطيع البشر جميعا أن يصلوا إليه كالعلم بذات اللَّه وحقائق صفاته ، وكالعلم بوقت القيامة ونحوه مما استأثر اللَّه بعلمه .
النوع الثاني : ما يستطيع كل إنسان أن يعرفه عن طريق البحث والدرس ، كالمتشابهات التي نشأ التشابه فيها من جهة الإجمال والبسط والترتيب . والأمثلة على ذلك كثيرة ، فمثال التشابه بسبب الإجمال قوله - تعالى :
وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ .
فإن خفاء المراد فيه جاء من ناحية إيجازه . والأصل : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى لو تزوجتموهن فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء .
النوع الثالث : ما يعلمه خواص العلماء دون عامتهم ولذلك أمثلة كثيرة من المعاني العالية التي تفيض على قلوب أهل الصفاء والاجتهاد عند تدبرهم لكتاب اللَّه » « 1 » .
ثم بين - سبحانه - موقف الذين في قلوبهم مرض وانحراف عن الحق من متشابه القرآن فقال : * ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَه مِنْه ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِه ) * فالجملة الكريمة تفصيل لإجمال اقتضاه الكلام السابق .
والزيغ - كما يقول القرطبي - الميل ، ومنه زاغت الشمس ، وزاغت الأبصار ، ويقال : زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد ، ومنه قوله - تعالى - : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّه قُلُوبَهُمْ . وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة ، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران .
هامش
( 1 ) مناهل العرفان في علوم القرآن لفضيلة الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني ج 2 ص 174 .