هذه بعض الأقوال في تحديد معنى المحكم والمتشابه « 1 » . وقد اختار كثير من المحققين هذا القول الأخير ، ومعنى الآية الكريمة - بعد هذا التمهيد الموجز :
اللَّه - عز وجل - الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ، والذي أنزل الكتب السماوية لهداية الناس ، والذي صورهم في الأرحام كيف يشاء ، وهو الذي أنزل عليك - يا محمد - هذا الكتاب الكريم المعجز العظيم الشأن ، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وقد اقتضت حكمة اللَّه - تعالى - أن يجعل هذا الكتاب * ( مِنْه آياتٌ مُحْكَماتٌ ) * أي واضحات الدلالة ، محكمات التراكيب ، جليات المعاني ، متقنات النظم والتعبير حاويات لكل ما يسعد الناس في معاشهم ومعادهم ، بينات لا التباس فيها ولا اشتباه .
وقوله * ( هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ) * أي هذه الآيات المحكمات الواضحات الدلالة المانعات من الوقوع في الالتباس لانكشاف معانيها لكل ذي عقل سليم ، هن أصل الكتاب الذي يعول عليه في معرفة الأحكام ، ويرجع إليه في التمييز بين الحلال والحرام ، ويرد إليه ما تشابه من آياته ، وما استشكل من معانيها .
والجار والمجرور * ( مِنْه ) * خبر مقدم ، و * ( آياتٌ ) * مبتدأ مؤخر ، و * ( مُحْكَماتٌ ) * صفة لآيات .
وقوله * ( هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ) * صفة ثانية للآيات .
قال الجمل : وأخبر بلفظ الواحد وهو * ( أُمُّ ) * عن الجمع وهو * ( هُنَّ ) * لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة ، وكلام اللَّه واحد . أو أن كل واحدة منهن أم الكتاب كما قال - تعالى - : وجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّه آيَةً أي كل واحد منهما . أو لأنه مفرد واقع موقع الجمع » « 2 » .
وقوله * ( وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) * أي ومنه آيات أخر متشابهات وذلك كالآيات التي تتحدث عن صفات اللَّه - تعالى - مثل : الاستواء ، واليد والغضب ، ونحو ذلك من الآيات التي تحدثت عن صفاته - سبحانه - وكالآيات التي تتحدث عن وقت الساعة ، وعن الروح وعن حقيقة الجن والملائكة وكالحروف المقطعة في أوائل السور .
قال الشيخ الزرقاني ما ملخصه : ومنشأ التشابه إجمالا هو خفاء مراد الشارع من كلامه .
أما تفصيلا فنذكر أن منه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ من جهة غرابته كلفظ الأب في قوله تعالى :
وفاكِهَةً وأَبًّا أو من جهة اشتراكه بين معان عدة كما في قوله - تعالى - فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ
هامش
( 1 ) إذا أردت المزيد فراجع الإتقان للسيوطي . وتفسير الآلوسي ج 3 ص 80 وتفسير الفخر الرازي ج 7 ص 178 .
( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين - بتصرف يسير - ج 1 ص 242 .