والمراد بالسنن هنا : وقائع في الأمم المكذبة ، أجراها اللَّه - تعالى - على حسب عادته ، وهي الإهلاك والدمار بسبب كفرهم وظلمهم وفسوقهم عن أمره .
والمعنى : إنه قد مضت وتقررت من قبلكم - أيها المؤمنون - سنن ثابتة ، ونظم محكمة فيما قدره - سبحانه - من نصر وهزيمة ، وعزة وذلة ، وعقاب في الدنيا وثواب فيها ، فالحق يصارع الباطل ، وينتصر أحدهما على الآخر بما سنه - سبحانه - من سنة في النصر والهزيمة .
وقد جرت سننه - سبحانه - في خلقه أن يجعل العاقبة للمؤمنين الصادقين ، وأن يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر .
فإن كنتم في شك من ذلك - أيها المؤمنون - * ( فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) * .
أي : فسيروا في الأرض متأملين متبصرين ، فسترون الحال السيئة التي انتهى إليها المكذبون من تخريب ديارهم ، وبقايا آثارهم .
قالوا : وليس المراد بقوله * ( فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا ) * الأمر بذلك لا محالة ، بل المقصود تعرف أحوالهم ، فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلا ، ولا يمتنع أن يقال أيضا : إن لمشاهدة آثار المتقدمين أثرا أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر :
تلك آثارنا تدل علينا
فانظروا بعدنا إلى الآثار « 1 »
والتعبير بلفظ كيف الدال على الاستفهام ، المقصود به تصوير حالة هؤلاء المكذبين التي تدعو إلى العجب ، وتثير الاستغراب ، وتغرس الاعتبار والاتعاظ في قلوب المؤمنين لأن هؤلاء المكذبين . مكن اللَّه لهم في الأرض ، ومنحهم الكثير من نعمه . ولكنهم لم يشكروه عليها ، فأهلكهم بسبب طغيانهم .
فهذه الآية وأشباهها من الآيات ، تدعو الناس إلى الاعتبار بأحوال من سبقوهم . وإلى الاتعاظ بأيام اللَّه ، وبالتاريخ وما فيه من أحداث ، وبالآثار التي تركها السابقون ، فإنها أصدق من رواية الرواة ومن أخبار المخبرين .
ثم قال - تعالى - * ( هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وهُدىً ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ) * .
والبيان : هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة .
والهدى : هو الإرشاد إلى ما فيه خير الناس في الحال والاستقبال .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 12 .