ومن هنا نعلم أن الشرط في نفى الضرر الذي يؤثر في الأمة الإسلامية ، هو أن تكون مؤمنة بربها حق الإيمان متبعة لهدى رسولها محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض العقوبات التي عاقب بها اليهود بسبب كفرهم وظلمهم فقال : * ( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّه وحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ) * .
وأصل الضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم بظاهر جسم آخر بشدة يقال ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصقها بها ، وتفرعت عن هذا المعنى معان مجازية أخرى ترجع إلى شدة اللصوق .
والذلة على وزن فعلة من قول القائل : ذل فلان يذل ذلة وذلا . والمراد بها الصغار والهوان والحقارة .
فضرب الذلة عليهم كناية عن لزومها لهؤلاء اليهود ، وإحاطتها بهم ، كما يحيط السرادق بمن يكون في داخله .
قال صاحب الكشاف : جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم ، فهم كمن يكون في القبة من ضربت عليه ، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه . فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة » « 1 » .
و * ( ثُقِفُوا ) * أي وجدوا ، أو ظفر بهم . يقال : ثقفه أي صادفه أو ظفر به أو أدركه . وهذه المادة تدل على التمكن من أخذ الشيء ومن التصرف فيه بشدة ومنها سمى الأسير ثقافا .
والثقاف آلة تكسر بها أغماد الرماح .
والحبل : هو ما يربط بين شيئين ويطلق على العهد لأن الناس يرتبطون بالعهود : كما يقع الارتباط الحسى بالحبال ، وهذا الإطلاق هو المراد هنا .
ولذا قال ابن جرير : وأما الحبل الذي ذكره اللَّه - تعالى - في هذا الموضوع ، فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين وعلى أموالهم وذراريهم من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا في بلاد الإسلام « 2 » .
والمعنى : أن هؤلاء اليهود أحاطت بهم الذلة في جميع أحوالهم أينما وجدوا وحيثما حلوا إلا في حال اعتصامهم بعهد من اللَّه أو بعهد من الناس .
وقد فسر العلماء عهد اللَّه بعقد الجزية الذي يربط بينهم وبين المسلمين .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 217 .
( 2 ) تفسير ابن جرير ج 4 ص 48 .