أولهما : ضرر يؤدى إلى هدم كيان الأمة ، وإضعاف قوتها وإهدار كرامتها وجعل أمورها في أيدي أعدائها تصرفها كيف تشاء .
وثانيهما : ضرر لا يؤثر في كيان الأمة ، ولا يؤدى إلى اضمحلال قوتها كالأذى بالقول ، أو محاولة التأثير في ضعاف الإيمان .
وقد نفى - سبحانه - أن يلحق المؤمنين ضرر يأتي على كيانهم من جهة أهل الكتاب فقال :
* ( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً ) * فأوقع الفعل المضارع في حيز لن المفيدة للنفي - للإشارة إلى أن ذلك لا يكون في المستقبل .
ولكن هذا النفي لهذا النوع من الضرر مشروط بمحافظة الأمة الإسلامية على الأصلين السابقين وهما « الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان باللَّه » .
فإذا أرادت أمة الإسلام ألا تصاب من جهة أهل الكتاب بما يأتي على كيانها ، فعليا أن تخلص العبادة لربها ، وأن تعمل بسنة نبيها ، وأن تتقيد بأحكام كتابها ، وأن تباشر الأسباب التي شرعها خالقها للنصر على أعدائها .
أما إذا تركت أمة الإسلام ما أمرها اللَّه - تعالى - به وتجاوزت ما نهاها عنه فإنها في هذه الحالة قد تصاب من أعدائها بما يؤثر في كيانها وتكون هي الجانية على نفسها بمخالفتها لأوامر اللَّه ونواهيه .
هذا ، وأكثر العلماء على أن الاستثناء في قوله * ( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً ) * متصل وأنه استثناء مفرغ من المصدر العام كأنه قيل : لن يضروكم ضررا البتة إلا ضرر أذى لا يبالي به من كلمة سوء ونحوها .
وقيل هو استثناء منقطع لأن الأذى ليس من الضرر : أي لن يضروكم بقتال وغلبة لكن بكلمة أذى ونحوها .
ورجح الأول ، لأن الكلام إذا أمكن حمله على الاستثناء الحقيقي لم يجز صرفه عن ذلك إلى الاستثناء المنقطع وهنا الأذى مهما قل هو نوع من الضرر وإن لم يترك أثرا .
ثم بشر اللَّه - تعالى - المؤمنين ببشارة أخرى فقال : * ( وإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ) * .
تولية الأدبار : كناية عن الهزيمة لأن المنهزم يحول ظهره ودبره إلى جهة الذي هزمه هربا إلى ملجأ يلجأ إليه ليدفع عن نفسه القتل أو الأسر .
والمعنى ، إن أهل الكتاب لن يضروكم يا معشر المؤمنين إلا ضررا يسيرا لا يبقى أثره فيكم
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 217
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢١٧