ويهزموهم ، وقوله : * ( بِإِذْنِ اللَّه ) * أي بتوفيقه وتيسيره وتأييده . والباء إما للاستعانة والسببية وإما للمصاحبة .
ثم قال - تعالى - : * ( وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ) * أي : وقتل داود بن إيشا - وكان في جيش طالوت - جالوت الذي كان يقود جيش الكفر ، وبقتله مزق أتباعه شر ممزق ، ورزق اللَّه طالوت ومن معه النصر والغلبة .
ثم بين - سبحانه - ما منحه لداود من نعم فقال : * ( وآتاه اللَّه الْمُلْكَ والْحِكْمَةَ وعَلَّمَه مِمَّا يَشاءُ ) * والحكمة المراد بها هنا النبوة ، ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله في بني إسرائيل ، وورثه فيهما ابنه سليمان - عليه السلام - .
أي : وأعطى اللَّه - تعالى - عبده داود ملك بني إسرائيل وأعطاه النبوة التي هي أشرف من الملك زيادة في ترقيته في درجات الشرف والكمال ، وعلمه - سبحانه - مما يشاء من فنون العلم ، ومن أمور الدين والدنيا كمعرفته لغة الطيور ، وكلام الدواب ، وصناعة آلات الحرب وغير ذلك من ألوان العلوم المختلفة التي لا تحدها إلا مشيئة اللَّه وإرادته .
وفي قوله - تعالى - : * ( وعَلَّمَه مِمَّا يَشاءُ ) * بعد الإخبار بأنه - سبحانه - آتى داود الحكمة ، إشعار بأن الإنسان لا يستغنى عن التعلم سواء أكان نبيا أم لم يكن ، لأن داود - عليه السلام - مع حصوله على النبوة لم يستغن عن تعليم اللَّه إياه ، وقد أمر اللَّه - تعالى - نبيه محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يلتمس المزيد من العلم فقال : وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً .
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على عباده فقال : * ( ولَوْ لا دَفْعُ اللَّه النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ ) * .
أي : ولولا أن اللَّه - تعالى - يدفع أهل الباطل بأهل الحق ، لفسدت الأرض ، وعمها الخراب لأن أهل الفساد إذا تركوا من غير أن يقاوموا استطارت شرورهم ، وتغلبوا على أهل الصلاح والاستقامة ، وتعطلت مصالح الناس ، وانتشر الفساد في الأرض .
فلو لا في الجملة الكريمة حرف امتناع لوجود . أي : امتنع فساد الأرض لأجل وجود دفع الناس بعضهم ببعض .
فالجملة الكريمة تأمر الأخيار في كل زمان ومكان أن يقفوا في وجوه الأشرار ، وأن يقاوموهم بكل وسيلة من شأنها أن تحول بينهم وبين الفساد والطغيان .
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( ولكِنَّ اللَّه ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ) * .
أي : ولكن اللَّه - تعالى - صاحب فضل عظيم ، وإنعام كبير على الناس أجمعين ، لأنه وضع
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 574
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٥٧٤