الصادق حتى تستقيم الأحكام ، وتتقرر الحقوق ، وتحذير لهن من الكتمان ومن اتباع الهوى والشيطان أي : أن على المطلقات ألا يكتمن ما خلق اللَّه في أرحامهن إن جرين على ما يقتضيه الإيمان ، إذ الإيمان يبعث على الصدق ويدعو إلى المحافظة على الأمانة ، فإن لم يفعلن ذلك وكتمن ما خلق اللَّه في أرحامهن ، كن ممن لا يؤمن باللَّه ولا باليوم الآخر إيمانا حقيقيا ، لأن من شأن المؤمنات الكاملات في إيمانهن ألا يفعلن ذلك .
قال الإمام الرازي : أما قوله * ( إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ) * فليس المراد أن ذلك النهى - عن الكتمان - مشروط بكونها مؤمنة ، بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم : إن كنت مؤمنا فلا تظلم . تريد إن كنت مؤمنا فينبغي أن يمنعك إيمانك عن ظلمي ، ولا شك أن هذا تهديد شديد للنساء . . والآية دالة على أن كل من جعل أمينا في شيء فخان فيه فأمره عند اللَّه شديد » « 1 » .
هذا ، وقد قرر الفقهاء أن القول فيما يتعلق بعدة المرأة ابتداء وانتهاء مرجعه إليها ، لأنه أمر يتعلق بها ولا يعلم إلا من جهتها ، إلا أنهم مع ذلك قرروا مدة ينتهى قولها عنده ، ولا يعمل بقولها إن نقصت عن تلك المدة . فلو ادعت - أنها قد انقضت عدتها بعد شهر من طلاقها لا يقبل قولها .
وللفقهاء كلام طويل في هذه المسألة مبسوط في كتب الفقه فليرجع إليه من شاء ذلك .
ثم قال - تعالى - : * ( وبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً ) * .
قال القرطبي : البعولة جمع البعل وهو الزوج ، سمى بعلا لعلوه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها ، ومنه قوله - تعالى - : أَتَدْعُونَ بَعْلًا أي ربا ، لعلوه في الربوبية . . والبعولة أيضا مصدر البعل . وبعل الرجل بيعل - كمنع يمنع - أي صار بعلا . والمباعلة والبعال : الجماع ، ومنه قوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لأيام التشريق : « إنها أيام أكل وشرب وبعال » « 2 » .
والمعنى : وأزواج المطلقات طلاقا رجعيا أحق بردهن ومراجعتهن في * ( ذلِكَ ) * أي في وقت التربص قبل انقضاء العدة * ( إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً ) * أي إن أرادوا بهذه المراجعة الإصلاح لا الإضرار ، كما سيأتي في قوله - تعالى - : * ( وإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا ) * .
قال القرطبي : وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقة أو
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 6 صفحة 98 .
( 2 ) تفسير القرطبي ج 3 صفحة 119 - بتلخيص .