ومن في قوله : * ( مِنْ عَرَفاتٍ ) * ابتدائية . أي ، فإذا أفضتم خارجين من عرفات إلى المشعر الحرام .
والمشعر الحرام : هو المزدلفة وقيل هو موضع بها . والمشعر : اسم مشتق من الشعور أي :
العلم ، أو من الشعار أي : العلامة .
ووصف المشعر بوصف الحرام لأنه من أرض الحرم ، وهو منسك له حرمة وتقديس .
والمزدلفة من الازدلاف وهو القرب وسميت بذلك لأن الحجاج يزدلفون إليها من عرفات ليبيتوا بها قاصدين الاقتراب من منى .
وتسمى المزدلفة - أيضا - « جمع » لاجتماع الناس في هذا المكان أو جمعهم فيه بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير . وتسمى كذلك « قزح » .
ويرى الحنفية والشافعية أن الوقوف بالمزدلفة واجب وليس بركن ، ومن فاته لا يبطل حجه ويجب عليه دم .
ويرى أكثر المالكية أن الوقوف بها سنة مؤكدة .
ويرى بعض التابعين وبعض الشافعية أن الوقوف بها ركن كالوقوف بعرفات والمعنى : فإذا سرتم - يا معشر الحجاج - من عرفات متدافعين متزاحمين متجهين إلى المزدلفة فأكثروا من ذكر اللَّه - تعالى - بالتلبية والتهليل والدعاء بقلوب مخبتة ، ونفوس صافية ، لأن ذكر اللَّه - تعالى - في تلك المواطن المقدسة والأوقات الفاضلة من شأنه أن يرفع الدرجات ، ويوصل إلى أعلا المقامات .
ثم قال - تعالى - : * ( واذْكُرُوه كَما هَداكُمْ ) * الكاف للتشبيه . ومعنى التشبيه في مثل هذا التركيب المشابهة في التساوي في الحسن والكمال . كما تقول : اخدمه كما أكرمك تعنى :
لا تتقاصر خدمتك عن إكرامه .
والمعنى : اذكروا اللَّه - تعالى - ذكرا حسنا مماثلا لهدايته لكم ، وأنتم تعلمون أن هذه الهداية شأنها عظيم فبسببها خرجتم من الظلمات إلى النور ، فيجب عليكم أن تكثروا من ذكر اللَّه ومن الثناء عليه .
قال الآلوسي : و « ما » تحتمل أن تكون مصدرية فمحل * ( كَما هَداكُمْ ) * النصب على المصدرية ، بحذف الموصوف . أي : ذكرا مماثلا لهداكم . . وتحتمل أن تكون كافة فلا محل لها من الإعراب . والمقصود من الكاف مجرد تشبيه مضمون الجملة بالجملة ، لذا لا تطلب عاملا تفضى بمعناه إلى مدخولها . وقيل : إن الكاف للتعليل ، وما مصدرية . أي ، اذكروه وعظموه لأجل
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 432
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٤٣٢