وبعد هذا البيان البليغ لحال الذين يتخذون من دون اللَّه أندادا ، ولحال الكافرين المقلدين لآبائهم في الضلال بدون تدبر أو تعقل ، بعد كل ذلك وجهت السورة الكريمة نداء إلى المؤمنين بينت لهم فيه - وفيما سيأتي بعده من آيات - كثيرا من التشريعات والآداب والأحكام التي هم في حاجة إليها فقال - تعالى - :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 172 إلى 173 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ واشْكُرُوا لِلَّه إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاه تَعْبُدُونَ ( 172 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الْخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِه لِغَيْرِ اللَّه فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْه إِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 )
الطيبات من الأطعمة : المستلذات ، ويجوز حملها على ما طاب من الرزق بتحليل اللَّه له .
وما رزقناكم : ما أوصلناه إليكم من الرزق ، - وهو ما ينتفع به .
أي : يا من آمنتم باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كلوا من ألوان الطيبات التي أحللناها لكم ، ولا تتعرضوا لما حرمناه عليكم .
وكان الخطاب هنا للمؤمنين خاصة ، لأنهم أحق بالفهم ، وأجدر بالعلم وأحرى بالاهتداء ، وأولى بالتكريم والتشريف .
ومفعول * ( كُلُوا ) * محذوف ، أي : كلوا رزقكم حال كونه بعض طيبات ما رزقناكم .
ثم أمرهم - سبحانه - بشكره على هذه الطيبات التي أباحها لهم فقال : * ( واشْكُرُوا لِلَّه إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاه تَعْبُدُونَ ) * .
وهذه الجملة الكريمة معطوفة على جملة * ( كُلُوا ) * .
والشكر : هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم لموجدها ، ووضعها في الموضع الذي أمر به .
أي : تمتعوا بنعم اللَّه ، واعترفوا له بها على وجه التعظيم ، بأن تمتثلوا ما أمر به ، وتجتنبوا ما نهى عنه ، إن كنتم تخصونه بالعبادة حقا ، وتفردونه بالطاعة صدقا .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 349
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٣٤٩