تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
يحسدونه على النبوة ، فلج بهم الحقد والغيظ إلى أن أعلنوا عن عدائهم لجبريل - أيضا - وهذه حماقة وجهالة منهم ، لأن جبريل - عليه السلام - نزل بالخير لهم في دينهم وفي دنياهم . ولكن الحقد والحسد إذا استوليا على النفوس جعلاها لا تفرق بين الخير والشر . ومعنى الآيتين الكريمتين ، قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين أعلنوا عداءهم لجبريل أنه لا وجه لعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وإنما نزل على قلبك بأمر اللَّه ليكون مؤيدا لما نزل قبله من الكتب السماوية وليكون هداية إلى طريق السعادة وبشارة للمؤمنين بالجنة ، وقل لهم كذلك من كان معاديا للَّه أو لملك من ملائكته أو لرسول من رسله ، فقد كفر وباء بغضب من اللَّه ، ومن غضب اللَّه عليه ، فجزاؤه الخزي وسوء المصير . قال الإمام ابن جرير : ( أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا ، على أن هذه نزلت جوابا ليهود من بني إسرائيل ، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم ، وميكائيل ولى لهم ) « 1 » . وروى البخاري في صحيحه - عن أنس بن مالك - رضي اللَّه عنه - قال : سمع عبد اللَّه بن سلام بقدوم النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهو في أرض يخترف - أي يجنى ثمارها - فأتى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال له : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ، فما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام أهل الجنة ، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟ قال : أخبرني بهن جبريل آنفا قال : جبريل ؟ قال : نعم قال ذلك عدو اليهود من الملائكة - فقرأ النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هذه الآية : * ( قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّه نَزَّلَه عَلى قَلْبِكَ . . . ) * الآية ثم قال : أما أول أشراط الساعة ، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ! وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت ، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ، وإذا سبق ماء المرأة نزعت فقال : أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أنك رسول اللَّه . يا رسول اللَّه : إن اليهود قوم بهت ، وإنهم إن يعلموا بإسلامى قبل أن تسألهم يبهتونى ، فجاءت اليهود فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : أي رجل فيكم عبد اللَّه ؟ قالوا : حبرنا وابن حبرنا ، وسيدنا وابن سيدنا : قال « أرأيتم إن أسلَّم عبد اللَّه بن سلام ؟ فقالوا : أعاذه اللَّه من ذلك ؟ فخرج عبد اللَّه فقال : « أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه » ، فقالوا : شرنا وابن شرنا ، وانتقصوه ، قال : فهذا الذي كنت أخاف يا رسول اللَّه « 2 » . وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس : « أن اليهود بعد أن سألوا النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أسئلة أجابهم عنها ، قالوا صدقت فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك . قال : وليي جبريل ، لم يبعث اللَّه نبيا قط إلا وهو وليه ، قالوا : فعندها نفارقك ، ولو كان وليك سواه من
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ج 1 ص 431 . ( 2 ) صحيح البخاري كتاب التفسير باب قوله تعالى : « قل من كان عدو لجبريل » ج 6 ص 23 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 217 | سيد محمد طنطاوي