طال عمرهم ، فقال تعالى : * ( وما هُوَ بِمُزَحْزِحِه مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ) * أي : وما أحد منهم بمبعده تعميره عن العذاب المعد له ، ولا بمنجيه منه .
والجملة الكريمة فيها بيان مصيرهم المحتوم ، وقطع لحبال مطامعهم ، لأن الموت سيلحقهم مهما بلغ عمرهم ، وسيلقون جزاءهم على سوء صنيعهم .
وفي التعبير * ( بِمُزَحْزِحِه ) * إشارة إلى أن طول عمرهم ، ليس له أي أثر في تخفيف العذاب عنهم ، وقوله : * ( واللَّه بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ) * تهديد ووعيد لهم لأنه - سبحانه - عليم بأعمالهم ، محيط بما يخفون وما يعلنون ، وسيجازيهم على كل ذلك بما يستحقون .
ومن هذا العرض للآيات الكريمة نرى أنها قد ردت على اليهود في دعواهم أن الجنة خالصة لهم ، ردا يبطل حجتهم ، ويفضح مزاعمهم ، ويكبت نفوسهم ، ويخرس ألسنتهم ، ويعلن أن الجنة إنما هي لمن أسلَّم وجهه للَّه وهو محسن ، وهم ليسوا من هذا النوع من الناس ولذا حرصوا على الحياة وفزعوا من الموت ، لأنهم يعلمون أن من ورائهم النار وبئس القرار بسبب ما ارتكبوا من سيئات ، واقترفوا من أكاذيب .
ثم ساق القرآن بعد ذلك لونا عجيبا من ألوان رذائل اليهود وهو مجاهرتهم بالعداوة لأمين الوحي جبريل - عليه السلام - فقال - تعالى - :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 97 إلى 98 ]
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّه نَزَّلَه عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّه مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه وهُدىً وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 97 ) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّه ومَلائِكَتِه ورُسُلِه وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإِنَّ اللَّه عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ( 98 )
فهاتان الآيتان تكشفان عن رذيلة غريبة حقا من رذائل اليهود وهي عداوتهم لملك من ملائكة اللَّه ، لا يأكل مما يأكلون ، ولا يشرب مما يشربون وإنما هو من الملائكة المقربين ، الذين لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وإذا فليس هناك مقتض لعداوته ، فلما ذا هذا التصريح منهم ببغضه وكراهيته ؟
لقد سمعوا أن جبريل - عليه السلام - ينزل بالوحي من عند اللَّه على محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهم
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 216
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٢١٦