والغلف : جمع أغلف ، وهو الذي جعل له غلاف ، ومنه قيل للقلب الذي لا يعي ولا يفهم ، قلب أغلف ، كأنه حجب عن الفهم بالغلاف .
قال ابن كثير : وقرأ ابن عباس - بضم اللام - وهو جمع غلاف . أي : قلوبنا أوعية لكل علم فلا نحتاج إلى علمك .
وقد رد اللَّه - تعالى - على كذبهم هذا بما يدحضه ويفضحه فقال :
* ( بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ ) * أي : أن قلوبهم ليست غلفا بحيث لا تصل إليها دعوة الحق بل هي متمكنة بأصل فطرتها من قبول الحق ، ولكن اللَّه أبعدهم من رحمته بسبب كفرهم بالأنبياء واستحبابهم العمى على الهدى .
والفاء في قوله : * ( فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ ) * للدلالة على أن ما بعدها متسبب عما قبلها و * ( ما ) * في قوله * ( فَقَلِيلًا ما ) * لتأكيد معنى القلة .
والمعنى أن اللَّه لعنهم وكان هذا اللعن سببا لقلة إيمانهم فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، وقلة الإيمان ترجع إلى معنى أنهم لا يؤمنون إلا بقليل مما يجب عليهم الإيمان به . وقد وصفهم اللَّه - تعالى - فيما سبق بأنهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض .
ثم نبه القرآن المؤمنين إلى نوع آخر من رذائل اليهود ، ويتجلى هذا النوع في جحودهم الحق عن معرفة وعناد ، وكراهتهم الخير لغيرهم يدافع الأنانية والحسد ، وتحولهم إلى أناس يتميزون من الغيظ إذا ما رأوا نعمة تساق لغير أبناء ملتهم .
استمع إلى القرآن وهو يصور كل ذلك بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 89 إلى 90 ]
ولَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّه مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِه فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِه أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّه بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّه مِنْ فَضْلِه عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ ( 90 )
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 197
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٩٧