ثم بين - سبحانه - العقاب الدنيوي والأخروى الذي استحقه أولئك المفرقون لأحكامه فقال تعالى : * ( فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، ويَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ ومَا اللَّه بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) * اسم الإشارة ( ذلك ) مشار به إلى القتل والإخراج من الديار ، اللذين نقضوا بهما عهد اللَّه بغيا وكفرا والخزي في الدنيا هو الهوان والمقت والعقوبة ومن مظاهره : ما لحق اليهود بعد تلك الحروب من المذلة بإجلاء بنى قينقاع والنضير عن ديارهم ، وقتل بني قريظة وفتح خيبر ، وما لحقهم بعد ذلك من هوان وصغار ، وتلك سنة اللَّه في كل أمة لا تتمسك بدينها ولا تربط شؤونها بأحكام شريعتها وآدابها .
ولما كان البعض قد يتوهم أن خزيهم في الدنيا قد يكون سببا في تخفيف العذاب عنهم في الأخرى ، نفى - سبحانه - هذا التوهم ، وبين أنهم يوم القيامة سيصيرون إلى ما هو أشد منه .
لأن اللَّه - تعالى - ليس ساهيا عن أعمالهم حتى يترك مجازاتهم عليها .
فالمراد من نفى الغفلة نفى ما يتسبب عنها من ترك المجازاة لهم على شرورهم .
وفي ذلك دليل على أن اللَّه - تعالى - يعاقب الحائدين عن طريقه المستقيم ، بعقوبات في الدنيا ، وفي الآخرة ، جزاء طغيانهم ، وإصرارهم على السيئات .
ثم أكد - سبحانه - هذا الوعيد الشديد وبين علته فقال تعالى : * ( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْصَرُونَ ) * .
والمعنى : أولئك اليهود الذين فرقوا أحكام اللَّه ، وباعوا دينهم بدنياهم ، وآثروا متاع الدنيا على نعيم الآخرة قد استحقوا غضب اللَّه فلا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ، ولا يجدون من دون اللَّه وليا ولا نصيرا .
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد دمغت اليهود بنقضهم للعهد ، وإيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض ، فباؤا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين .
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بلون آخر من ألوان جناياتهم ، فقال تعالى :
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 194
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص١٩٤