تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم — صفحة 6

مساهمون:

ص٦
أردت أن أبيّن لهم الحال على ما هو عليه وأكشف لهم الأحوال على ما ينبغي ليحصل لهم العلم بحقيقة كلّ طائفة منهم ، سيّما بالطايفة المخصوصة المذكورة من أهل اللَّه وينكشف لهم أحوالهم في طبقاتهم ومراتبهم وأصولهم وقواعدهم ويتحقّقوا أنّ الشّريعة والطَّريقة والحقيقة أسماء مترادفة صادقة على حقيقة واحدة باعتبارات مختلفة ، وليس فيها خلاف في نفس الأمر ( 1 ) ، ويتركوا بذلك المجادلة والمعارضة مع أهل اللَّه
هامش
( 1 ) قوله : ليس فيها خلاف في نفس الأمر . لأن الحقّ واحد يستحيل أن يكون كثيرا إلَّا في مقام الظهور ، والكثرة الَّتي توجد في مقام الظهور أيضا تحكي عن الحقّ الواحد ، وللظهور مراتب ، والكثرة في مقام الظهور هي نفس تلك المراتب . ومعلوم أنّ مرجع الظهورات أيضا أمر واحد ، أي المراتب في الظهور أيضا ترجع إلى أمر واحد الذي هو المظهر حقيقة ، فهو الأوّل والآخر ومع كلّ شيء وداخل في الأشياء وخارج عنها فهو الظاهر والباطن ، قال تعالى : * ( وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ ) * [ القمر : 50 ] . * ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ ) * [ الحديد : 3 ] . * ( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ ) * [ القصص : 88 ] . وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام : « داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل ، وخارج منها لا كشيء من شيء خارج » ( كتاب التوحيد للصدوق باب 42 ، ص 306 ، الحديث 1 ) . وقال أيضا : « فارق الأشياء لا على اختلاف الأماكن ، وتمكّن منها لا على الممازجة » ( نفس المصدر باب 2 ص 73 ، الحديث 27 ) تبصرة : ان للعالم والإنسان ، وللشريعة والقرآن ، وللعمل والإيمان ، وللعبادة والطهارة والولاية والإيقان مراتب . قال سبحانه تعالى : * ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه ُ وَما نُنَزِّلُه ُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) * [ الحجر : 21 ] . ويعبّر عن تلك المراتب ( على سبيل الكلَّى ) بالملك والملكوت ، وبالغيب والشهادة ، وبالظاهر والباطن ، وبالتنزيل والتأويل . قال سبحانه وتعالى : * ( فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِه ِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْه ِ تُرْجَعُونَ ) * [ يس : 83 ] . وقال تعالى : * ( وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناه ُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّه ُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) * [ الزخرف : 2 - 4 ] . فللقرآن مرتبة وهي الَّتي بأيدينا وتدرك بالتّعقل فيها وله مرتبة أخرى وهي الَّتي لا مجال فيها للألفاظ واللَّغة ، ولا سبيل فيها للمفاهيم ، ولا ينال إليها العقل ، بل الطريق الوحيد للوصول إليها الطهارة ، قال سبحانه وتعالى : * ( إِنَّه ُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّه ُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) * [ الواقعة : 80 إلى 77 ] . أي أنّ لهذا القرآن أصل وحقيقة عند رب العالمين ، والَّذي بين أيديكم ظهور وتجلّ منه . قال الصّادق عليه أفضل الصّلاة والسّلام : « كتاب اللَّه على أربعة أشياء : العبادة والإشارة واللطائف والحقائق ، فالعبادة للعوام ، والإشارة للخواصّ ، واللطائف للأولياء ، والحقائق للأنبياء » ( تفسير الصافي ج 1 المقدمة الرابعة ص 31 ) ومن هنا يعلم معنى : قوس النزول ، وقوس الصعود ، للعالم والإنسان ، وأنّ مبدأ النزول ونهاية الصعود واحد ، قال سبحانه وتعالى : * ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه ِ ) * [ السجدة : 5 ] . وقال : * ( إِنَّا لِلَّه ِ وَإِنَّا إِلَيْه ِ راجِعُونَ ) * [ البقرة : 156 ] . كما أنّ أوّل ما صدر منه تبارك وتعالى في قوس النزول هو حقيقة محمّد الخاتم صلَّى اللَّه عليه وآله كذلك النهاية في قوس الصعود مقامه صلَّى اللَّه عليه وآله ، قال تعالى : * ( وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ) * [ النجم : 42 ] . وقال : * ( وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) * [ النجم : 7 - 9 ] . ومن ما ذكرنا يظهر معنى تجسّم الأعمال والملكات في عالم الآخرة ، ومعنى التفسير والتأويل وغير ذلك من الأمور والمعارف الواردة في الآيات والأحاديث والموجودة في كلمات العلماء والمحققين . إن شئت الاطَّلاع أكثر فراجع : بحر المعارف للهمداني الفصل 50 و 49 ، وتفسير الصافي المقدمة الرابعة ، ورسالة الولاية للعلامة الطباطبائي .