للنّاس وما يعقلها إلَّا العالمون ، وحيث كان نسبة الخلق إلى نوره الحقيقي الخفافيش .
قال العارف :
خفي لإفراط الظهور تعرضت
لإدراكه أبصار قوم أخافش
وحظَّ العيون الرزق من نور وجهه
لشدّته حظَّ العيون العوامش
وقد سبقت هذه الأبيات مرّة أخرى .
والمراد أنّه من شدّة ظهور في مظاهر السّماوات والأرض المعبّر عنها بالمشكاة والمصباح والزّجاجة ، وكمال إظهاره الأشياء شيئا بعد شيء صار خفيّا كأنّه غيب وغيره شهادة ، والحال أنّ القضيّة بالعكس لأنّه الظَّاهر في الحقيقة ظهورا لا خفاء له أصلا بوجه من الوجوه ، وغيره خفى في الحقيقة خفاء لا ظهور له أصلا بوجه من الوجوه ، كما قال العارف بذلك في قوله السابق على هذه الأقوال وهو قوله :
العالم غيب لم يظهر قطَّ
والحقّ تعالى هو الظَّاهر ما غاب قطَّ
والنّاس في هذه المسألة على عكس الصّواب فيقولون : العالم ظاهر والحقّ تعالى غيب ، فهم بهذا الاعتبار في مقتضى هذا الشّرك ، كلَّهم عبيد للسوى وقد عاف اللَّه تعالى بعض عبيده عن هذا الدّاء والحمد للَّه .
والَّذي ورد في الحديث القدسي أنّه تعالى قال :
كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق ( 339 ) .
لا ينافي ما ذكرناه ، فإنّ مراده هذا :
أي كنت مخفيّا عن أعين المحجوبين فأردت أن أظهر في أعين المحبّين فافتحت عن بصيرتهم حتّى شاهدوني على الوجه المذكور وظهر لهم سرّ قول فيه :
هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ سورة الحديد : 4 ] .
وبالجملة نرجع إلى ما كنّا بصدده ونقول :
هامش
( 339 ) قوله : كنت كنزا مخفيّا .
راجع تعلقتنا الرقم 157 .